السباق لحماية موزمبيق من الإعصار المدمّر المقبل
تحشد الحكومة وشركاؤها الموارد لحماية المجتمعات الساحلية من الكوارث المتكررة
موزمبيق · 24 مارس 2026 · 5 دقائق
AKDN / Harry Johnstone
بقلم هاري جونستون
بينما ينهمر المطر، تحفر موانيما تيمام حفرة في الرمال المبللة وتغرس شتلة جديدة من أشجار المانغروف. وعلى الرغم من أن وشاحها الأزرق الكوبالتي ابتلّ بالكامل، فإن العمل لا يزال ينتظر من ينجزه.
ومع ارتفاع درجات حرارة الجو والمحيطات، باتت الأعاصير المدارية الفتاكة والفيضانات تجتاح مناطق واسعة في أنحاء موزمبيق، بما في ذلك مجتمعها المحلي في ناماو، وهي قرية صغيرة تعيش على صيد الأسماك.
ورغم وجود بعض مشاريع التكيّف مع التغير المناخي ــ مثل زراعة المانغروف ــ فإن موارد الحكومة استُنزفت بشدة بعد تقلّص المساعدات، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الجهود الحالية كافية لحماية السكان من الكوارث المتكررة.
وتقول تيمام: "عندما بدأت العاصفة، كان هناك صوت غير مألوف. كان السقف يهتز، فركضتُ للاحتماء في منزل جاري مع زوجي وأطفالي".
تستحضر تيمام ذكريات إعصار شيدو الذي ضرب إقليمها كابو ديلغادو في ديسمبر/كانون الأول 2024. تروي أنها عادت إلى منزلها بعد انحسار العاصفة لتجده أثرًا بعد عين، وتقول إن حياتها بأكملها تلاشت في غضون دقائق معدودة.
يقع إقليم كابو ديلغادو على بُعد 1,500 ميل شمال العاصمة مابوتو، وقد عانى تاريخيًا من التهميش، وظل يُصنَّف باستمرار ضمن أفقر الأقاليم وأكثرها هشاشة في موزمبيق.
ومنذ عام 2017، مزّقت الإقليمَ أعمالُ تمرد مرتبطة بتنظيم "داعش"، ما أجبر نحو 1.3 مليون شخص على الفرار من منازلهم، وفقًا للسلطات الإقليمية.
ويُضاف إلى ذلك عبء التغير المناخي؛ ففي هذه المنطقة، تشكّل الأعاصير مصدرًا آخر للرعب.
إلى جانب دورها كحاجز صدٍّ في مواجهة الرياح، تمتص أشجار المانغروف ما يقرب من تسعة أطنان من ثاني أكسيد الكربون لكل هكتار سنويًا.
AKDN / Harry Johnstone
دُمّرت قرية ميتاكاني، الواقعة على ساحل مقاطعة ميكوفي، تدميرًا شبه كامل جراء إعصار تشيدو. ولم يصمد سوى أقوى البيوت، رغم أن كثيرًا منها جُرّد من أسقفه وبات الآن مهجورًا. كما انهار برج المياه، وتمدّدت الأشجار الضخمة في أماكن سقوطها بهيئات غريبة، وقد التوت أغصانها العارية في حالة تيبّس.
ويشير فرناندو نيفيس، وهو مسؤول محلي، إلى أن 95% من إجمالي المنازل في المقاطعة ــ أي نحو 14,000 منزل ــ قد دُمّر بالكامل.
وبالنسبة لمئات القرى الممتدة على طول الساحل الموزمبيقي، تمثل الأعاصير تهديدًا وجوديًا. وقد لاحظ المعهد الوطني للأرصاد الجوية في موزمبيق تزايد وتيرة العواصف العاتية القادمة من المحيط الهندي على مدار السبعين عامًا الماضية. ووفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فمن المرجّح أن تشهد موزمبيق أعاصير مدارية أقوى من الفئتين الرابعة والخامسة، فضلًا عن هطول أمطار أكثر تواترًا وشدة.
تتسابق الحكومة وشركاؤها لمساعدة المجتمعات المحلية على التكيّف. ففي أعقاب فيضانات عام 2000 التي أودت بحياة 800 شخص، وضعت موزمبيق استراتيجية وطنية لمواجهة الكوارث. وتشير التقارير إلى أن المانحين صرفوا 480 مليون دولار (358 مليون جنيه إسترليني) لتعزيز قدرة البلاد على إدارة الأعاصير والفيضانات والجفاف. ومنذ ذلك الحين، طوّرت موزمبيق ــ ضمن استجابات أخرى ــ نظامًا وطنيًا أكثر قوة للإنذار المبكر استعدادًا لهذه الأخطار.
ويتجلى ذلك في العرض التجريبي الذي قدّمه أغوستينو سيفيرينو ولجنته المعنية بإدارة الكوارث في ناموابالا.
فعندما تُبث تحذيرات من الأعاصير عبر الإذاعة، يرفع الفريق أعلامًا تحمل رموزًا لونية في مراكز القرى؛ إذ يشير العلم الأحمر إلى أن الإعصار سيصل في ذلك اليوم. بعد ذلك، يتنقّل المتطوعون عبر القرى على دراجات هوائية مزوّدة بمكبرات صوت، يحثّون السكان على الاحتماء. وتنتشر هذه المجموعات التطوعية، التي تعمل تحت إشراف المعهد الوطني لإدارة الكوارث والحد من مخاطرها، في مختلف أنحاء البلاد.
المتطوّعون الذين يشكّلون العمود الفقري لنظام الإنذار المبكر من الأعاصير في موزمبيق.
AKDN / Harry Johnstone
تُعدّ أشجار المانغروف إجراءً استباقيًا آخر؛ إذ يقول أساني أرمي، رئيس مجلس مصايد الأسماك المجتمعي في قرية باندار: "تعمل غابات المانغروف بمثابة حواجز لصدّ الرياح، فهي تحمي نحو ربع مساحة القرية".
ويعمل المجلس على حماية وزراعة المانغروف في المنطقة منذ 20 عامًا.
نسير فوق المصبّ الرملي لتفقّد أحد المشاتل، وبينما تترك أقدامنا آثارها على الرمال، تهرع سرطانات عازف الكمان ــ ذات المخلب الكبير ــ فوق السطح الرملي.
تحظى مشاريع غابات المانغروف التي يقودها المجتمع المحلي في كابو ديلغادو بدعم من مؤسسة الآغا خان. وإلى جانب دورها كجدار صدٍّ في مواجهة الرياح، تعزل أشجار المانغروف ما يقرب من تسعة أطنان من ثاني أكسيد الكربون لكل هكتار سنويًا.
كما تُستخدم غابات المانغروف كمناحل لتربية النحل، وتتحول ممراتها المائية إلى مفقسات ومزارع طبيعية لتكاثر الأسماك، مما يوفر سبل عيش حيوية للمجتمعات الساحلية في موزمبيق.
يقوم المعهد الدولي للتنمية المستدامة (IISD) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) بتنفيذ أنشطة مماثلة في ثلاثة مصبات مائية في وسط وجنوب البلاد، هي: بونز سينايس، وزمبيزي، وليمبوبو.
وفي إمباير، يعمل مشروع تابع للمجلس النرويجي للاجئين (NRC) على معالجة الآثار المزدوجة لأعمال التمرد وإعصار شيدو.
وتعجّ القرية بنشاط مكثّف؛ إذ يسجّل مئات الأشخاص للحصول على المساعدات، بينما تُفرَّغ ألواح جديدة من الحديد المموج من إحدى الشاحنات..
وتُعدّ الأسطح الحديدية أكثر صمودًا في مواجهة الأعاصير، لكنها قد تكون قاتلة؛ فالرياح العاتية التي تصل سرعتها إلى 150 ميلًا في الساعة تقتلعها من المنازل، وقد سُجّلت حوادث أودت فيها هذه الألواح المتطايرة بحياة أطفال لم يتمكنوا من الاحتماء في الوقت المناسب.
يتم تزويد المجتمعات المحلية بالصفيح المموج لبناء أسقف أكثر متانة لمنازلهم.
AKDN / Harry Johnstone
في مختلف أنحاء كابو ديلغادو، لا تزال المساكن والبنية التحتية القادرة على الصمود تعاني نقصًا واضحًا، رغم أن الوضع يشهد تحسّنًا تدريجيًا.
وفي ناتوكو، تُثبَّت أغطية قماشية بيضاء تحمل شعار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) فوق أجزاء من الأسقف المصنوعة من القش، فتبدو كأنها لاصقات جروح عملاقة.
ومع ذلك، فقد أُعيد بناء المركز الصحي هناك بمساعدة منظمة هلفيتاس السويسرية؛ إذ صُمّم بطريقة تقلّل من التعرض للرياح الشديدة، ودُعّم بأعمدة مقوّاة تُثبّت السقف بإحكام.
وفي سياق متصل، ينفّذ برنامج الأمم المتحدة للموائل (UN-Habitat) في مقاطعة تشوكوي مشروعات لبناء بنية تحتية مقاومة للمناخ للتخفيف من مخاطر الفيضانات.
وقد ساهم البرنامج في إنشاء ملجأ من الأعاصير ومحطة إذاعية، كلاهما مرفوع على ركائز متينة، وقد وفّرت هذه المنشآت الدعم لعشرات الآلاف ممن فقدوا منازلهم في يناير/كانون الثاني 2026.
في مدينة بيرا، يدعم البنك الدولي عددًا من مشاريع البنية التحتية التي تهدف أساسًا إلى حماية السكان من الفيضانات.
لكن كل ذلك لا يبدو كافيًا؛ فبالنسبة لموانيما تيمام وأمثالها ممن يعيشون في هذه المجتمعات الساحلية، فإن لملمة شتات الحياة من جديد شيء، والعيش في حالة هشاشة دائمة شيء آخر تمامًا.
فمع كل إعصار عاتٍ يضرب المنطقة، يفقد الناس منازلهم، وكأنهم في لعبة السلم والثعبان يعودون دائمًا إلى نقطة الصفر. وبالنسبة للبعض، يكون الأمر أشد قسوة، إذ يفقدون أحباءهم.
تحفر تيمام حفرة أخرى في الرمال؛ فموسم الأمطار قد حلّ، وما يزال الكثير من العمل بانتظارها.
--
هاري جونستون صحفي مستقل نُشرت تقاريره في صحف فاينانشال تايمز، ذا غارديان، ذا تلغراف. تغطي كتاباته طيفًا واسعًا من الموضوعات، من التغير المناخي والأمن الغذائي إلى التراث الثقافي.