قد يكون المجتمع، لا الغذاء، هو الحلقة المفقودة في تحسين التغذية في مدغشقر
مدغشقر · 28 مايو 2026 · 5 دقائق
لطالما اصطدمت الجهود الرامية إلى تحسين التغذية في مدغشقر بقيود هيكلية عميقة. فالأنظمة الغذائية تعتمد بصورة شبه كاملة على الأرز، غالبًا على حساب التنوع الغذائي، فيما يظل الإنتاج الزراعي محدودًا رغم توفر ظروف قادرة على دعم محاصيل أكثر تنوعًا وغنىً بالعناصر الغذائية.
كما أسهم ضعف الوعي التغذوي ومحدودية الموارد العامة في إبطاء وتيرة تغيير الممارسات الغذائية. وكانت المحصلة واحدة من أسوأ أوضاع التغذية والأمن الغذائي عالميًا؛ إذ يعاني أكثر من 70% من السكان من انعدام أمن غذائي بدرجات متوسطة أو حادة.
في مواجهة هذه التحديات، اتجهت مؤسسة الآغا خان (AKF) ــ من خلال فرعها المحلي "منظمة دعم التنمية الريفية في مدغشقر" (OSDRM) ــ وشركاؤها إلى اعتماد مجموعات الادخار المجتمعية (CBSGs). وتُعرف هذه المجموعات محليًا باسم " Groupes d’Épargne Communautaire"، وتشكل منصةً أساسية لتنفيذ تدخلات تنموية متكاملة.
ومنذ بدء التنفيذ في عام 2022، جرى تأسيس 580 مجموعة ادخار مجتمعية في مناطق أنالانجيروفو وديانا وسافا شمال مدغشقر. وقد نجحت 70% من هذه المجموعات في خلق مصادر دخل جديدة، فيما أفادت 75% منها بتحسن في الأنظمة الغذائية للأسر. وفي ظل التحديات الواسعة التي تواجه الأمن الغذائي في البلاد، تبدو هذه النتائج لافتة؛ ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري حول الدور الذي تلعبه هذه المجموعات في إحداث هذا التحول.
من سكان مدغشقر يعانون حاليًا من انعدام الأمن الغذائي
تجمع مجموعات الادخار المجتمعية أفراد المجتمع لتجميع الموارد واتخاذ القرارات المالية بصورة جماعية، بما يعزّز التماسك الاجتماعي والملكية المحلية والقدرة على الصمود على المدى الطويل، ويسهم في الوقت نفسه في تحسين نتائج التغذية.
AKDN / Laure Bedecarrax
تتشكّل مجموعات الادخار المجتمعية (CBSGs) طوعيًا على مستوى المجتمع، حيث تجمع أعضاءها للادخار بانتظام، وتقديم القروض، وإدارة الأموال المشتركة. وإلى جانب دورها المالي، تعزّز هذه المجموعات التماسك الاجتماعي، واتخاذ القرار الجماعي، والشعور بالملكية المحلية؛ وهي عناصر غالبًا ما تفتقر إليها برامج التنمية التقليدية التي تُفرض من أعلى إلى أسفل. وبمرور الوقت، أثبتت مجموعات الادخار المجتمعية قدرة لافتة على الصمود، إذ تستمر في العمل لفترات طويلة بعد انتهاء الدعم الخارجي.
وتقول الدكتورة أمينة جهانغير، المديرة العالمية للصحة والتغذية في مؤسسة الآغا خان: "من منظور مؤسسة الآغا خان، تكمن قيمة مجموعات الادخار المجتمعية في أنها تتواجد في المكان الذي تُتخذ فيه القرارات فعلياً ــ داخل الأسر، وشبكات الأقران، والمجموعات النسائية، وهياكل القرى، وقيادات المجتمع المحلي".
وتضيف جهانغير موضحةً: "في حين أن التدخلات التي تتم عبر العيادات غالبًا ما تصل إلى النساء فقط عندما يسعين للحصول على الخدمات، وتظل البرامج على مستوى الأسرة مقتصرة على العائلات الفردية، فإن مجموعات الادخار المجتمعية تخلق مساحة جماعية تلتقي فيها المعرفة الغذائية، والادخار، وصنع القرار، والإحالات، والمسؤولية المتبادلة".
ويشاركها الرأي غريغوار إمبرتي، المدير التنفيذي لمنظمة دعم التنمية الريفية في مدغشقر (OSDRM)، إذ يقول: "تُعد مجموعات الادخار المجتمعية منصةً إيجابية تعزّز التعبئة المجتمعية حول هدف مشترك". ويضيف: "كما أنها تعزّز تمكين المرأة، والاستثمارات المجتمعية الصغيرة، والانضباط الذاتي، والإدارة التي يقودها المجتمع، وتعمل بفعالية عبر البيئات المتنوعة التي نواجهها في مدغشقر".
الدكتورة أمينة جهانجير، المديرة العالمية للصحة والتغذية في مؤسسة الآغا خان
تخلق مجموعات الادخار المجتمعية مساحاتٍ مشتركة تجتمع فيها النساء بانتظام للادخار والتعلّم وتبادل المعرفة، حيث تجمع بين الخدمات المالية، والتدريب على التغذية، ودعم الأقران، واتخاذ القرار الجماعي على مستوى المجتمع.
AKDN / Humberto Caldas
في هذا الإطار، يتلقى الأعضاء تدريبًا على موضوعات تمتد من إدارة المجموعات وممارسات الادخار إلى التغذية وعروض الطهي، وهي برامج غالبًا ما تُصمَّم لتلبية الاحتياجات المباشرة للمجتمع. وتوفّر الاجتماعات الدورية مساحة للتعلّم وتبادل الخبرات بين الأقران، بما يمكّن الأعضاء من مشاركة المعرفة والتجارب العملية عبر المجموعات والمناطق المختلفة.
ويُوضح إتيان أندرياماماندري، مدير الشراكات في منظمة دعم التنمية الريفية في مدغشقر، قائلًا: "من خلال أنشطة بناء القدرات هذه، اعتاد الأعضاء على تبادل المعرفة والخبرات ــ ليس فقط داخل مجموعاتهم الخاصة، بل أيضاً مع أعضاء من مجموعات ادخار مجتمعية أخرى، وحتى مع مزارعين من مناطق أبعد".
وإلى جانب ذلك، أسهم دمج الأنشطة الزراعية والمدرّة للدخل في تنويع الإنتاج، مما عزّز توافر الغذاء على مستوى الأسرة.
ساعد دمج تبادل المعرفة الزراعية والأنشطة المدرة للدخل في تنويع الإنتاج، مما أسهم في تحسين توافر الغذاء على مستوى الأسرة.
AKDN / Humberto Caldas
يُعدّ هذا النموذج بالغ الأهمية بالنظر إلى الفئة التي تشارك فيه. فوفقاً للدكتور ريفوسوا رابيتوكوتاني، مدير البرنامج في منظمة دعم التنمية الريفية في مدغشقر، فإنّ معظم أعضاء مجموعات الادخار المجتمعية هنّ من النساء والأمهات.
وتوضح الدكتورة أمينة جهانغير قائلة: "هذا أمر بالغ الأهمية لأن التغذية لا تتعلق فقط بتوفّر المعلومات أو الوصول إلى الخدمات، بل تتشكّل أيضًا من خلال الأعراف الجندرية، وشؤون الأسرة المالية، وخيارات الغذاء، وممارسات الرعاية، وحرية الحركة، والثقة بالنفس، والثقة المجتمعية".
نظرًا لكون معظم الأعضاء من النساء، تسهم مجموعات الادخار المجتمعية في تحسين النظم الغذائية والدخول الأسرية، بينما تعزّز في الوقت ذاته صحة الأطفال والقدرة المجتمعية على الصمود على المدى الطويل.
AKDN / Laure Bedecarrax
لطالما أشارت أبحاث التنمية إلى المرأة بوصفها "عاملًا مضاعفًا"، إذ تُظهر الأدلة أن الحالة الغذائية للمرأة وتمكينها الاقتصادي يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بتحسين صحة الأطفال ونتائجهم التغذوية. ومن ثمّ، فإن المشاركة القوية للنساء في مجموعات الادخار المجتمعية تعزّز الجهود الرامية إلى تحسين تغذية الأطفال، وتدعم في الوقت ذاته القدرة على الصمود على المدى الطويل وللأجيال القادمة.
كما تلعب المنصات المجتمعية دورًا محوريًا في تغيير الأعراف الاجتماعية. وتوضح الدكتورة أمينة جهانغير قائلة: "من المرجّح أن تتغيّر سلوكيات تغذوية معينة بشكل أكبر عندما يتم تعزيزها اجتماعيًا، بدلًا من معالجتها فقط من خلال الإرشاد الفردي أو حملات التوعية. فالسلوكيات المتعلقة بالرضاعة الطبيعية، والتغذية التكميلية، والتنوع الغذائي، وتغذية المراهقين، وتغذية الأمهات، وممارسات طلب الرعاية، تتشكّل بعمق من خلال الأعراف الاجتماعية، وتوقعات الأسرة، وديناميكيات القوة داخل المنزل".
ومن خلال دمج أنشطة عملية مثل عروض الطهي في الاجتماعات الدورية، توفّر مجموعات الادخار المجتمعية مساحة تلتقي فيها النساء لتبادل الأفكار، وتجربة ممارسات جديدة، والتأثير في صنع القرار على مستوى الأسرة والمجتمع على حدّ سواء.
توضح الدكتورة أمينة جهانغير أن المنصّات المجتمعية تسهم في تغيير الأعراف الاجتماعية، إذ يجعل تبادل التعلّم وتعزيز دعم الأقران السلوكيات التغذوية أكثر قابلية للتغيير مقارنة بالاعتماد على الإرشاد الفردي وحده.
AKDN / Humberto Caldas
يوضح الدكتور ريفوسوا رابيتوكوتاني قائلًا: "لقد ساعد دمج التغذية ضمن مجموعات الادخار المجتمعية المجتمعات على فهم أهمية اتباع نظام غذائي متوازن. ففي العادات الغذائية للشعب الملغاشي، لنقص البروتين تأثير كبير على نمو الأطفال دون سن الخامسة، ومع ذلك أصبحت العائلات الآن تعطي الأولوية لتناول البروتين، سواء من مصادر حيوانية مثل القواقع، أو من مصادر نباتية مثل الفاصوليا، وأوراق المورينغا، أو الطحالب المائية".
ويشير أفراد المجتمع إلى أنهم بدأوا بإدخال مكوّنات ووصفات جديدة في طهيهم اليومي، مستفيدين مما اكتسبوه من النقاشات الجماعية والعروض التوضيحية. وقد أصبحت الوجبات التي كانت تعتمد بشكل كبير على الأغذية الأساسية أكثر تنوّعًا، مع دمج أغذية غنية بالمغذيات ومتوفرة محليًا.
الدكتور ريفوسوا رابيتوكوتاني، مدير البرنامج في منظمة دعم التنمية الريفية في مدغشقر
تقول ماري هيلين فانجا، وهي عضوة في إحدى مجموعات الادخار المجتمعية في منطقة أنالانجيروفو وأم لطفلين: "نتيجة لجلسات التدريب وعروض الطهي التي تنظمها مجموعتنا، أصبحت الآن أنوع في الأطعمة التي أحضرها، وأنوع في وجباتنا. أستخدم وصفات طورتها المجموعة - مثل حساء الكسافا أو إضافة الروبيان الصغير إلى الخضروات الورقية".
ويُسهم الاستقرار المالي المحسّن في تعزيز هذه التغييرات؛ فالدخل الناتج عن أنشطة الادخار والائتمان يُمكّن العائلات من شراء الأطعمة التي لا ينتجونها بأنفسهم، مع الاستثمار في ذات الوقت في سبل عيش صغيرة النطاق مثل تربية الدواجن أو زراعة الخضروات.
مكّنت الدخول المُحسَّنة الناتجة عن أنشطة الادخار والائتمان في مجموعات الادخار المجتمعية العائلات من شراء أطعمة أكثر تغذية، والاستثمار في سبل عيش صغيرة النطاق مثل تربية الدواجن وزراعة الخضروات.
AKDN / Laure Bedecarrax
ماري هيلين فانجا، عضوة في مجموعة الادخار المجتمعية
وعند سؤاله عن سبب سرعة تبني ممارسات التغذية المُحسّنة، يُشير إيمبيرتي إلى سرعة ظهور النتائج.
يقول غريغوار إيمبيرتي: "تشهد المجتمعات والمزارعون والآباء جميعًًا بأن الأثر على الصحة يظهر بشكل شبه فوري، وأصبح الأطفال والبالغون أكثر صحة وسعادة بتناول وجبات ألذ. ولا يحتاج المرء إلى أن يكون طبيبًا ليرى فوائد التغذية المُحسّنة".
ومن خلال الجمع بين المرونة المالية، والتعلّم الاجتماعي، والممارسات الزراعية، والوعي الغذائي ضمن منصة مجتمعية واحدة، تسهم مجموعات الادخار المجتمعية في تحويل تغيّر السلوك قصير المدى إلى عادات مستدامة.
ويُبرز هذا النهج تحولًا أوسع في الفهم؛ إذ لم تعد التغذية تُختزل في توفر الغذاء فحسب، بل باتت مرتبطة أيضًا بالنظم الاجتماعية التي تشكّل كيفية إنتاجه ومشاركته واستهلاكه. وتختتم الدكتورة أمينة جهانغير قائلة: "إن تحسين التغذية بشكل مستدام لا يتطلب إعلام الأفراد فحسب، بل يتطلب أيضًا تحويل البيئات التي تُتخذ فيها القرارات المتعلقة بالغذاء والرعاية والصحة".
