قصصنا
الصحة والفقر: ما الذي تغير؟
11 فبراير 2026 · 15 دقائق
AKDN / Lucas Cuervo Moura
في عام 2011، فاز الدكتور هايس وُلراڤِن، مدير الصحة في شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) والمدير العام لمؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية (AKHS)، بالجائزة الأولى في حفل جوائز الكتاب السنوي للجمعية الطبية البريطانية عن كتابه الصحة والفقر: مشاكل وحلول الصحية العالمية. يجمع الكتاب بين قصص المرضى والتحليل المتعمّق لاستكشاف كيف يُسهم الفقر وتدهور الحالة الصحية في تعزيز أحدهما للآخر، مستندًا إلى خبرة الدكتور وُلراڤِن الممتدة 15 عامًا في أنظمة الرعاية الصحية الإفريقية وإلى سنواته الأولى مع شبكة الآغا خان للتنمية.
بعد خمسة عشر عامًا، يقدّم الدكتور وُلراڤِن رؤى متعمقة حول ما تغيّر: ما الأمراض التي جرى التصدي لها؟ وما الذي تفاقم؟ وهل تُحدث الابتكارات الطبية التي تتصدر الأخبار أثرًا حقيقيًا في حياة الفقراء؟ وما الذي نحتاج إليه اليوم لضمان تحقيق شعار "الصحة للجميع"؟
في سوريا، يفحص متطوعو الصحة المجتمعية في مركز الآغا خان الطبي بمدينة سلمية المراجعين خلال يوم مفتوح.
AKHS
تعيش عائشة في قرية على أطراف منطقة سلمية في سوريا، حيث لا تُقاس المسافات بالكيلومترات بقدر ما تُقاس بتكاليف السفر والوقت المستغرق فيه.
قبل بضع سنوات، بدأ ابنها عمر يستيقظ ليلًا وهو يلهث بحثًا عن الهواء. فعلت عائشة ما تفعله كثير من الأمهات حين تبدو العيادة بعيدة المنال: انتظرت، وجربت العلاجات المنزلية، ثم انتظرت أكثر. كان المرض يقلقها، لكن تكلفة طلب الرعاية كانت تخيفها أكثر.
تلتهم أجرة الحافلة إلى المركز الصحي دخل أسبوع كامل، والأدوية ــ إن وُصفت ــ لن تكون مجانية، وإذا احتاج عمر إلى متابعة طبية، تضاعفت التكاليف. كان واقعها المرير يذكّر بأن توفر الخدمة الصحية لا يعني القدرة على تحمل كلفتها، وأن هذه القدرة هي التي تحدد في النهاية ما إذا كانت الرعاية ستُطلب أصلًا.
لكن ما كانت تملكه عائشة حقًا هو ليلى؛ متطوعة في مجال الصحة المجتمعية اختارها أهل القرية بأنفسهم. كانت ليلى تعيش في الحي ذاته، تحضر حفلات الزفاف نفسها، وتشارك في مراسم العزاء ذاتها. وقد تفرغت وتدرّبت من خلال برنامج محلي للرعاية الصحية الأولية على التعرف إلى علامات الخطر، وتشجيع طلب الرعاية المبكرة، والأهم تثقيف العائلات حول برنامج التأمين الصحي المجتمعي.
لم يقتصر دور ليلى على طلب المساعدة وتنظيم الدعم المالي لتمكين عمر من الحصول على الرعاية في مستشفى منطقة سلمية، بل منحت عائشة أيضًا شبكة أمان لاحتياجاتها الصحية المستقبلية. شجعتها ليلى على الانتساب إلى برنامج التأمين الصحي المجتمعي، الذي كان هدفه بسيطًا: منع العائلات من تأخير طلب الرعاية بسبب التكاليف.
قبل تطبيق هذا البرنامج، كانت كثيرٌ من الأمهات في هذه القرية يتجنّبن طلب الرعاية الصحية خوفًا من تفاقم فقرهنّ. وتتيح لهنّ مساهمة بسيطة تقاسم المخاطر على مستوى المجتمع المحلي، بما يمنع الوقوع في نفقات كارثية عند الحاجة. وتنبع القدرة على تحمّل الكلفة من الحوكمة المجتمعية، والثقة، والتكامل مع النظام الصحي الرسمي. هذا هو مفهوم التغطية الصحية الشاملة في التطبيق العملي.
ما زالت المشكلات التي جرى توصيفها في كتاب الصحة والفقر عام 2011 شديدة الصلة بالواقع في عام 2026، غير أنّ مجتمع الصحة العالمي يمتلك اليوم أدوات جديدة، وبيانات أفضل، وبيئات تمويل مختلفة، إلى جانب تحدّيات آخذة في التطوّر. وقد كان التقدّم حقيقيًا وقابلًا للقياس، لكنه يظلّ هشًّا وغير متكافئ، فيما لا تزال بلدان كثيرة بعيدة عن بلوغ الأهداف العالمية المحددة ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة.
آثار التغير المناخي على الصحة
انقر على الرموز لمعرفة المزيد
في مختلف أنحاء العالم، بات تغيّر المناخ اليوم ظاهرة واضحة على نطاق واسع بوصفه خطرًا صحيًا بنيويًا يُفاقم تقريبًا كلّ حالة تناولتُها بالكتابة عام 2011. فهو يوسّع نطاق التعرّض للأمراض المنقولة بالنواقل، مثل الملاريا، مع تسجيل تحوّلات جغرافية قابلة للقياس في المناطق المعرّضة لخطرها. كما يزيد تغيّر المناخ من معدّلات سوء التغذية نتيجة فشل المحاصيل، وصدمات أسعار الغذاء، وموجات الجفاف. ويرفع كذلك من مخاطر صحة الأمهات وحديثي الولادة، فضلًا عن فئات أخرى مثل كبار السن، بفعل الإجهاد الحراري، والجفاف، وتعطّل الخدمات الصحية.
توجد أدلّة وبائية واضحة تربط بين زيادة معدّلات الوفيات والحرارة المرتفعة، التي بات يُعترف بها اليوم كأحد أبرز أسباب الوفاة المرتبطة بالمناخ. كما تتضرّر أنظمة المياه والصرف الصحي، ما يزيد من انتشار أمراض الإسهال، في وقت تُرهَق فيه النظم الصحية الهشّة بفعل الفيضانات والعواصف وموجات الحر. بعبارة أخرى، يعمل تغيّر المناخ على تضخيم مخاطر مختلف الأمراض.
شكّلت جائحة كوفيد-19 جرس إنذار عالميًا، إذ كشفت عن نقاط ضعف هيكلية جوهرية؛ فقد عطّل هذا المرض الجديد الخدمات الصحية في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك البرامج الصحية العمودية ذات الكوادر والتمويل المتخصص والإدارة المستقلة لأمراض مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية. وكانت الدول ذات الأنظمة الصحية الضعيفة، ولا سيما في مجال الرعاية الصحية الأولية (PHC)، الأكثر معاناة من الوفيات غير المباشرة. كما أدّت الجائحة إلى زيادة معدلات الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، والتسرّب المدرسي، وحمل المراهقات، وكشفت عن هشاشة وعدم مساواة سلاسل التوريد العالمية للأدوية والمواد واللقاحات.
لقد أعادت جائحة كوفيد-19 التأكيد على حجّة محورية طُرحت في كتاب الصحة والفقر: الفقر لا يزال العامل الرئيسي المسبّب لسوء الحالة الصحية، حتى في مواجهة التهديدات "الجديدة".
للأسف، منذ عام 2011 ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في بيئات هشّة أو متأثرة بالصراعات بشكل حاد، ما أدى إلى انهيار الأنظمة الصحية والبرامج الصحية العمودية، وظهور فئات كبيرة من النازحين المحرومين من الخدمات، إلى جانب أعباء الصدمات النفسية ومشكلات الصحة النفسية طويلة الأمد. وفي بعض البلدان، بات الصراع يفوق اليوم تأثير العوامل البيولوجية للأمراض بوصفه المحدد الرئيسي للنتائج الصحية. وليس من المستغرب أن تكون للصراعات والتوترات حول الموارد ــ بما في ذلك المياه والأراضي الصالحة للزراعة ــ صلة مباشرة بتغيّر المناخ.
ما الذي تغيّر في العوامل المسبِّبة للتفاوت في المستويات الصحية؟
منذ صدور كتاب الصحة والفقر، لم تختفِ العوامل المُحرِّكة للفوارق الصحية، لكنها تغيّرت من حيث الشكل والحجم وأنماط التفاعل فيما بينها. ففي عام 2011 كانت هذه الفوارق تُدفَع إلى حدّ كبير بصعوبة الوصول المادي إلى الخدمات الصحية، ونقص الكوادر والمعدّات والأدوية والمرافق، وضعف أنظمة الإحالة، إضافةً إلى البرامج العمودية الخاصة بأمراض محدّدة التي كانت تحلّ محلّ قدرات النظم الصحية نفسها.
الآن، تحسّن الوصول العالمي إلى الخدمات الصحية بشكل كبير، لكن الجودة والاستمرارية والمرونة ما زالت تتفاوت بحدّة. وقد وسّعت دول كثيرة من تغطيتها الاسمية، ومع ذلك لا يزال السكان الفقراء يتلقّون رعاية أقل جودة ويعانون من تأخير في التشخيص. كما يستمر ضعف الالتزام بالعلاج وعدم كفاية المتابعة. ويتركّز الموظفون المهرة، بما في ذلك المتخصصون في الرعاية الصحية، في المناطق الحضرية والأكثر ثراءً. وباتت الوفيات التي يمكن الوقاية منها تعكس بشكل متزايد سوء الرعاية لا انعدامها.
منذ خمسة عشر عامًا، كان المرضى يُوصَفون غالبًا بأنهم يفتقرون إلى المعرفة، ويواجهون عوائق مادية وجغرافية، ويعتمدون على الرعاية غير الرسمية أو المعالجين التقليديين. أمّا اليوم، فقد أصبح المرضى أكثر دراية واطلاعًا، لكنهم يفتقرون إلى الحماية الكافية؛ فرغم زيادة الوعي بالحقوق والعلاجات، تُعمّق التوقعات غير الملبّاة من انعدام الثقة.
وحتى في ظل وجود أنظمة التأمين الصحي الوطنية أو الخدمات المجانية، لا تزال التكاليف التي يدفعها المريض من ماله الخاص مقابل النقل والتشخيص والأدوية والرسوم غير الرسمية تمثّل عبئًا كارثيًا، فيما تفرض الأمراض المزمنة — مثل فيروس نقص المناعة البشرية، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري — ضغوطًا اقتصادية طويلة الأمد. وبات المرضى اليوم غالبًا ما يعانون من حالات مرضية متعددة في آن واحد، تشمل الأمراض المعدية وغير المعدية، ومشكلات الصحة النفسية، والأمراض الجسدية؛ وهي تركيبات نادرًا ما تنجح الأنظمة الصحية في إدارتها بشكل جيّد. إن المرضى اليوم ليسوا مستبعدين من المنظومة، بل مشمولون بها ولكن بشروط غير متكافئة.
يحتاج السكان في المناطق النائية إلى خدمات رعاية صحية يسهل الوصول إليها، مثل تلك التي يوفّرها مستشفى الآغا خان في غلغيت بباكستان.
AKHS
تلعب العوامل المؤسسية دورًا مهمًا أيضًا؛ ففي عام 2011 ارتبط التفاوت في الخدمات الصحية بنقص تمويل وزارات الصحة، والبرامج العمودية التي يوجّهها المانحون، وضعف الرقابة على القطاع الخاص. أمّا اليوم، فقد أصبحت المؤسسات أكثر عددًا، لكنها أقل انسجامًا في تلبية الاحتياجات الصحية. وغالبًا ما تكون المساءلة دون المستوى المطلوب ويصعب إنفاذها، فيما تتسم السياسات بعدم الاتساق، وتُقوّض العزلة المؤسسية (العمل في جزر منعزلة) مبدأ العدالة حتى عندما تكون النوايا تقدّمية، فضلًا عن حالة إرهاق المانحين وتحول أولوياتهم.
يسهم الطبّ عن بُعد في إيصال الخبرات الطبية إلى المناطق النائية بسرعة وبكلفة منخفضة نسبيًا.
AKDN / Kamran Beyg
الإجابة المختصرة هي أن ذلك يحدث بشكل جزئي وغير متكافئ وببطء شديد. فقد تسارعت وتيرة الابتكار في مجال الصحة العالمية منذ عام 2011 في عدة مجالات، تشمل:
الطب الحيوي (اللقاحات، ووسائل الوقاية طويلة الأمد من فيروس نقص المناعة البشرية، والتشخيص السريع)؛ وتقديم الخدمات الصحية (تبادل المهام، والعاملون الصحيون المجتمعيون، ونماذج الرعاية المتمايزة)؛ والصحة الرقمية (الطبّ عن بُعد، والتشخيص القائم على الذكاء الاصطناعي، والسجلات الصحية الرقمية)؛ وتمويل الصحة (مخططات التأمين، والتمويل القائم على النتائج، والمشتريات المجمّعة)؛ والمقاربات المؤسسية (الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والمؤسسات الاجتماعية، والمنصات العالمية).
السؤال الجوهري ليس ما إذا كان الابتكار موجودًا، بل أين ولمن يُقدَّم فعليًا. وتشمل الابتكارات التي تصل إلى الفئات السكانية الأكثر احتياجًا تلك القائمة على المجتمع والملائمة تقنيًا (منخفضة التكنولوجيا)، مثل نماذج العاملين الصحيين المجتمعيين، وبروتوكولات العلاج المبسّطة، وفحوصات نقطة الرعاية (الاختبارات السريعة)، وتقديم الخدمات الصحية المتكاملة التي تركّز على المريض للأمراض المزمنة مثل فيروس نقص المناعة البشرية وارتفاع ضغط الدم والسكري وقضايا الصحة النفسية.
تتمتّع الصحة الرقمية بإمكانات هائلة، لكن يتعيّن ضمان عدم استبعاد سكان المناطق الريفية أو كبار السن أو الفقراء أو غير الموثقين أو المجموعات ذات المستويات التعليمية المحدودة. فالأدوات التي تهدف إلى تعزيز الجودة بدلًا من مجرد التغطية ــ مثل أنظمة دعم القرار السريري، وأدوات التشخيص، وأنظمة الإحالة ــ غالبًا ما تتطلّب بنية تحتية مستقرة وتعتمد على كوادر ماهرة، وهي الأصعب تنفيذًا في البيئات الهشّة.
في مثل هذه البيئات، يُنظر إلى توسيع نطاق العمل على أنه محفوف بالمخاطر. وهنا تحديدًا نحتاج إلى بذل جهد إضافي، لأن هذه البيئات هي بالضبط الأماكن التي تكون فيها الفئات السكانية الفقيرة أكثر عرضة لخدمات رعاية غير آمنة، وهي أيضًا المواقع التي غالبًا ما تنقطع فيها سلسلة الابتكار. ومن المعوّقات الأخرى تفضيل الاستجابة الإنسانية قصيرة المدى على ابتكار النظم، وفي بعض الأحيان تُوضَع الابتكارات كطبقات فوق أنظمة ضعيفة بدلًا من العمل على تقويتها.
الخلاصة أن الفئات الأكثر احتياجًا تستفيد بدرجة أكبر عندما تكون الابتكارات بسيطة، ومموّلة من القطاع العام، ومندمجة في الرعاية الصحية الأولية، ومصممة منذ البداية للبيئات ذات القدرات المحدودة.
تضرّرت الرعاية الصحية الروتينية خلال جائحة كوفيد-19، ما أدّى إلى عواقب مستمرة وطويلة الأمد على الفئات الأكثر فقرًا.
لم يكن التفاؤل الوارد في كتاب الصحة والفقر تفاؤلًا ساذجًا، بل كان مرتكزًا على زخم حقيقي. وما أظهره التاريخ منذ ذلك الحين هو أن التقدّم كان ممكنًا، لكنه مشروط، وأن توقفه أو تراجعه أسهل مما توقعت. فمنذ عام 2011 أثبت العالم أن فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) يمكن السيطرة عليه كمرض مزمن مع تحقيق انخفاض هائل في معدلات الوفيات، وأن وفيات الملاريا يمكن أن تتراجع عند تمويل الأدوات وتوفيرها، وأن وفيات الأمهات يمكن أن تنخفض بسرعة مع توافر الرعاية الماهرة والاستثمار في النظام الصحي، كما يمكن اكتشاف مرض السل وعلاجه على مستوى السكان عندما تعمل الخدمات بكفاءة.
تتضمّن الرسائل الأكثر ديمومة في كتاب الصحة والفقر أن المكاسب المحققة عبر البرامج العمودية تظل هشّة ما لم تدعمها قدرات نظام صحي شامل، وأن تقديم الخدمات على المستوى المجتمعي وبطريقة تركّز على المريض أمر حاسم، وأن العدالة خاصية أصيلة في النظام وليست مجرد ميزة في برنامج ما. فالعدالة ليست عنصرًا يُضاف إلى البرنامج، بل نتيجة إمّا أن ينتجها النظام أو لا ينتجها. ويمكن للمرء إلغاء رسوم الولادة عبر مخطط "قسائم" ممول من المانحين، لكن إذا لم تصل سيارة الإسعاف، ولم تحضر القابلة، وفرض المستشفى رسومًا لعلاج مضاعفات الولادة، فستظل النساء الفقيرات مستبعدات.
عند النظر إلى الماضي، أدرك أن تفاؤلي في عام 2011 قد قلّل من شأن عقبات رئيسية؛ منها أن الالتزام السياسي أثبت أنه أقل ديمومة من النجاح التقني، كما ثبت خطأ افتراضي بأن الأدلة والبراهين هي التي ستوجّه السياسات في الغالب. ففي الواقع، استقرّ التمويل أو انخفض بمجرد انحسار الأزمات، وفقدت الصحة أهميتها السياسية خارج أوقات الطوارئ، وظلّت سياسات إعادة توزيع الموارد فجّة وهشّة سياسيًا. وقد تبيّن أن التقدّم قابل للانتكاس، وليس تراكميًا بالضرورة.
لسوء الحظ، تكيّف انعدامُ المساواة بوتيرة أسرع من تكيّف النظم الصحية؛ فبينما توسّعت الأنظمة، استأثرت الفئات الأكثر ثراءً بالجودة وحقّ الاختيار، واستقطب القطاع الخاص الربحي الدعم السياسي، في حين حصلت الفئات الفقيرة على فرصة الوصول إلى الخدمة دون أن تمتلك القوة أو التأثير. وقد كانت هذه الديناميكية، بالنسبة لي على الأقل، أقل وضوحًا في عام 2011.
كما قلّلتُ من شأن الصدمات الخارجية؛ فقلّة هم الذين توقّعوا أن تؤدي جائحة ما إلى وقف الرعاية الروتينية عالميًا، أو أن يدفع تغيّر المناخ المخاطر الصحية إلى التسارع بهذه الوتيرة، أو أن تُفضي النزاعات الممتدّة والمتعدّدة المناطق إلى تعطيل الخدمات. لقد افترض تفاؤلي عالمًا أكثر استقرارًا من ذلك الذي نعيشه الآن.
يُعدّ مستشفى الآغا خان في كيسومو بكينيا جزءًا من نظام الإحالة الدولي التابع لمؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية، وترتبط به مستشفيات جامعة الآغا خان في نيروبي وكراتشي.
AKDN / Lucas Cuervo Moura
لا تكمن نجاحاتنا أساسًا في الاختراقات التكنولوجية، بل في الإنجازات المؤسسية وأساليب تقديم الخدمات التي استمرّت لعقود؛ وهو أمر نادر في مجال الصحة العالمية.
لقد نجحت مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية في إنشاء واستدامة شبكات تعمل وفق نظام "المحور والأطراف" (hub and spokes)، تضم المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية وخدمات التوعية الميدانية، بما في ذلك في المناطق النائية والبيئات الصعبة. واستثمرت المؤسسة بالتزامن في الرعاية المجتمعية والرعاية الأولية والمستشفيات الثانوية/الثالثية، وربطت بين الوقاية والتشخيص والعلاج والمتابعة، متجنّبة الوقوع في فخ "قوالب الأمراض المنفردة" (البرامج المنعزلة). ويمكن القول إن المرضى يختبرون نظامًا متكاملًا، لا مجرد خليط مُجزّأ من الخدمات.
تتبنّى مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية مبدأ إعطاء الأولوية للمعايير السريرية والاعتماد الأكاديمي، والتدريب المستمر والتطوير المهني، وسلامة المرضى وتحسين الجودة. وقد أثبتنا أن تقديم رعاية عالية الجودة ممكن في البيئات منخفضة الدخل والمناطق الريفية، مفنّدين الفكرة القائلة إن على الفقراء الاكتفاء برعاية "جيدة بما يكفي" فقط.
رادت مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية نموذج "الدعم التبادلي" بين الخدمات والمرضى؛ حيث تُستخدم الإيرادات المحصّلة من القادرين على الدفع لدعم رعاية غير القادرين. كما اعتمدت المؤسسة رسومًا رمزية للمستخدمين مقترنة بشبكات أمان اجتماعي، واستثمرت العمل الخيري في تقوية المؤسسات وتطويرها، لا في مجرد سدّ العجز المالي. ورغم أن فرض الرسوم الرمزية وتطبيق الدعم التبادلي والحفاظ على الانضباط المالي كانت أمورًا مثيرة للجدل أحيانًا، فإن المؤسسة تعلّمت أن الانهيار المالي هو أكبر إخفاق في تحقيق العدالة، وأن الحضور المستدام طويل الأمد أهم بكثير من السخاء العابر قصير الأمد.
تُظهر تجربتنا أيضًا أن المؤسسات التي تصمد وتتعلم وتتكيف هي ضرورة جوهرية. وقد تعلّمت مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية في وقت مبكر أن الفئات الفقيرة تقدّر الرعاية التي تتسم بالاحترام، والخالية من الأحكام المسبقة، والمبنية على الكفاءة؛ وأن تدنّي الجودة يقوّض الثقة أسرع من انعدام القدرة على الوصول إلى الخدمة. هذه الرؤية باتت اليوم مقبولة وواسعة الانتشار، لكن المؤسسة طبّقتها عمليًا منذ عقود.
لا تسعى مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية إلى التوسّع في الحجم لمجرّد التوسّع، بل تعلّمت تكييف نماذج خدماتها بما يتناسب مع الجغرافيا والثقافة والواقع السياسي. وهي تقبل بنموّ أبطأ في مقابل بناء جذور أعمق وأكثر ثباتًا. ويُعدّ التواصل الوثيق مع الحكومات والالتزام باللوائح والسياسات عنصرًا جوهريًا في هذا الصدد.
إذا كان كتاب الصحة والفقر قد جادل بأن تحسين صحة الفقراء أمرٌ ممكن، فإن مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية تقدّم النموذج العملي لكيفية تحقيق ذلك، وتوضح في الوقت نفسه أسباب صعوبته. وتشير تجربتنا إلى أن تحقيق "الصحة للجميع" ليس انتصارًا للأفكار بقدر ما هو انتصارٌ للصبر والحوكمة والاتساق الأخلاقي على مرّ الزمن. وبهذا المعنى، تمثّل المؤسسة دحضًا حيًّا لروح الانهزامية، وتحذيرًا من الاعتماد على الحلول السريعة والمؤقتة.
يُعدّ توسيع الرعاية الصحية الأولية إلى المناطق النائية، مثل وادي تشيبورسون في باكستان، مفتاحًا لتحقيق الوصول الشامل إلى الخدمات الصحية.
AKDN / Kamran Beyg
إنّ التكنولوجيا والموارد المالية والمعرفة متوافرة اليوم بوفرة أكبر بكثير مما كانت عليه حين كُتب كتاب الصحة والفقر. غير أنّ ما نفتقر إليه حقًا هو القدرة على تنظيم هذه الأصول بطرق تخدم، على نحوٍ متّسق، الفئات الأكثر حرمانًا بشكل مستمر. وما نحتاجه هو تحوّل من "البرامج" إلى "النُّظم" التي تُحقّق الإنصاف. ويتطلّب ذلك رعاية صحية أولية قوية تكون نقطة الاتصال الأولى، ومتكاملة عبر مراحل الحياة والحالات المرضية، وموجّهة نحو الاستمرارية لا نحو الرعاية المجزّأة على شكل نوبات. ولم تعُد الرعاية الصحية الأولية خيارًا تقنيًا مفضّلًا فحسب، بل غدت المنصّة الوحيدة القابلة للتوسّع لتحقيق الإنصاف.
يمكن لنهج طبّ الأسرة أن يرسّخ الرعاية ضمن علاقات طويلة الأمد ومبنية على الثقة، ما يسمح للأنظمة الصحية بالانتقال من العلاج القائم على النوبات العارضة إلى إدارة مسار الحياة الشامل؛ بما يشمل المخاطر والمرض والتعافي والرعاية. ويمكن أيضًا تصميم هذا النهج بشكل فريد للتعامل مع حالات عدم اليقين التشخيصي، وتعدّد الأمراض، والتفاعل بين الصحة البدنية والعقلية والاجتماعية؛ وهي التحديات التي تشكّل العبء الحقيقي للمرض.
لقد بلغ توسيع إتاحة الرعاية الصحية أو تحقيق التغطية الشاملة من دون جودة حدوده القصوى. وما نحتاج إليه اليوم هو معايير حدٍّ أدنى للجودة تُطبَّق على الجميع، والاستثمار في التشخيص، والإشراف، وأنظمة الإحالة والتعلّم، فضلًا عن المساءلة عن النتائج لا عن مجرّد مستوى الاستخدام."
نحن بحاجة إلى نُظم صحية مرنة قادرة على الصمود في وجه الصدمات. إن تحقيق "الصحة للجميع" في عالم غير مستقر يتطلّب نُظمًا تضمن استمرار الخدمات الأساسية أثناء الجوائح والكوارث المناخية والنزاعات؛ وتحمي العاملين الصحيين من الاحتراق الوظيفي والتسرّب، وتحافظ على سلاسل التوريد تحت الضغوط. ولم تَعُد المرونة خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ركيزة جوهرية لتحقيق العدالة.
لا يمكن أن تعتمد "الصحة للجميع" على المعونات المتقلّبة، أو المدفوعات المباشرة من جيب المريض، أو خطط التأمين المجزّأة. وما هو مطلوب هو تمويلٌ محليّ تدريجي، وتجميعٌ للمخاطر يدعم الفقراء فعليًا عبر آليات الدعم المتبادل، ويحفّز رعاية صحية أولية جيّدة ومستجيبة، إلى جانب آليات التمويل العالمي للسلع العامة العالمية. فالعدالة تتطلّب إعادة توزيع مقصودة للموارد، لا تغطية تتسرّب من الأعلى إلى الأسفل.
لا يمكن للخدمات الصحية وحدها أن تحقّق "الصحة للجميع". فمعالجة العوامل الاجتماعية والبيئية تظلّ أمرًا حيويًا؛ ويشمل ذلك توفير المياه المأمونة والصرف الصحي، والمسكن الملائم، والتغذية، والتعليم، والتخفيف من آثار التغيّر المناخي والتكيّف معه، إضافةً إلى الحماية الاجتماعية المرتبطة بالمخاطر الصحية. ويكمن الاختلاف عن عام 2011 في أن هذه المحددات تتحرّك اليوم وتتفاقم بسرعة تفوق قدرة الأنظمة الصحية على التعويض أو المواكبة.
في نهاية المطاف، إن تحقيق "الصحة للجميع" هو قرار سياسي؛ فهو يتطلّب قادة مستعدّين لإعطاء الأولوية لصحة السكان على المدى الطويل، وتعزيز الثقة العامة في المؤسسات، وتوفير الفضاء المدني اللازم للمساءلة. ففي عام 2011، كان مفهوم "الصحة للجميع" يعني توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الأساسية؛ أمّا في عام 2026، فيجب أن يعني حماية الجميع من المعاناة التي يمكن تجنّبها على مدار مسار الحياة، بغضّ النظر عن الدخل أو الجنس أو الجغرافيا أو الدين أو الأزمات.
تشارك ساندرا وبيرل في دورة لتعليم الطبخ تنظّمها مؤسسة الآغا خان في مدغشقر، ما يساهم في تحسين صحة أسرتيهما من خلال تنويع نظامهما الغذائي.
AKF / Humberto Caldas
لا يمكن لمنظمة واحدة، مثل شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN)، أن تحقّق بمفردها "الصحة للجميع". لكن بمقدورها أن تغيّر المفهوم السائد عمّا هو "ممكن"، وغالبًا ما يكون هذا هو المنطلق الذي يبدأ منه التغيير الشامل واسع النطاق. ولا تكمن أهمية الشبكة في حجمها مقارنة بالحكومات، بل في قدرتها على تقديم نماذج بديلة، ومأسستها، وضمان استدامتها في بيئات تواجه فيها الأسواق والدول تحديات جسيمة.
تُعدّ شبكة الآغا خان للتنمية فريدة نسبيًا لكونها تعمل في عدة مجالات في آن واحد؛ فهي لا تقتصر على الصحة فحسب، بل تشمل أيضًا المياه والصرف الصحي، والتغذية، والتعليم، والتنمية الاقتصادية، والثقافة. فالمخرجات الصحية لا تتحسّن عبر الرعاية الطبية وحدها، بل من خلال تحسين الدخل، والتعليم، والبنية التحتية، والعدالة بين الجنسين، والتماسك الاجتماعي. وقلّما تجد منظمات عملت بمصداقية في كل هذه المجالات مجتمعة على مدى عقود.
في القطاع الصحي، تعمل مؤسسات شبكة الآغا خان للتنمية، بما في ذلك جامعة الآغا خان (AKU) ومؤسسة الآغا خان، على إرساء المعايير السريرية والتعليمية، والقواعد الأخلاقية والمهنية، ونماذج المساءلة. وترفع هذه الجهود سقف التوقعات ــ لدى المرضى والمهنيين وصنّاع السياسات على حدّ سواء ــ بشأن مستوى الجودة الممكن تحقيقه حتى في البيئات محدودة الموارد.
وتصل شبكة الآغا خان للتنمية إلى مناطق لا يطيل الآخرون البقاء فيها، بما في ذلك المناطق النائية أو الجبلية أو المهمّشة، والمناطق الحسّاسة سياسيًا أو المتأثرة بالنزاعات؛ حيث تعمل مع مجتمعات تفتقر إلى الخدمات من قبل القطاعين العام والخاص على حدّ سواء. إن وجودنا المستمر عبر الزمن يبني الثقة والاستمرارية والمنعة ــ وهي محددات رئيسية لتحقيق العدالة الصحية.
ينشر المهنيون الصحيون المدرَّبون في جامعة الآغا خان معاييرها على نطاق واسع.
AKDN / Kohi Marri
يمتدّ تأثير شبكة الآغا خان للتنمية إلى ما هو أبعد بكثير من نطاق خدماتها المباشرة؛ وذلك عبر تدريب الكوادر الصحية، والمعلمين، والمديرين، فضلًا عن خريجي جامعة الآغا خان الذين ينضمون إلى الخدمة العامة والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص. ويُعدّ هذا مسارًا رئيسيًا لنشر معايير الشبكة وممارساتها على نطاق واسع.
بدلًا من الاكتفاء بالدعوة والتأييد، تقدّم شبكة الآغا خان للتنمية نماذج عملية لما يمكن تحقيقه، وتوفّر أدلّة موثوقة للحكومات، كما تساهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالإصلاحات من خلال اختبارها وتطبيقها بشكل مسؤول. ومن الأمثلة على ذلك:
تضع شبكة الآغا خان للتنمية خططها لعقود من الزمن، لا بناءً على دورات المنح التمويلية. وهذا ما يسمح بتقوية الأنظمة تدريجيًا، والتعلّم من الإخفاقات، والتكيّف مع المتغيرات السياسية والبيئية؛ وقليلٌ من الفاعلين في مجال الصحة العالمية يمتلكون هذا القدر من الصبر.
ولا تستطيع الشبكة، ولا تطمح، إلى أن تكون بديلًا عن الدولة أو أن تتوسّع على المستوى الوطني دون تبنٍّ رسمي، كما لا يمكنها أن تعزل نفسها تمامًا عن الصدمات الاقتصادية الكلية أو السياسية. لكن هذا بالضبط ما يجعل دورها قيّمًا؛ فهي قادرة على إثبات ما يمكن تحقيقه عندما تتوافر الظروف السياسية والمؤسسية الملائمة.
في عالمٍ يعاني هشاشة الدول، وتسليع الأنظمة الصحية، وفتور المانحين، وصدمات المناخ والنزاعات؛ تجسّد شبكة الآغا خان للتنمية برهانًا جليًا على إمكانية قيام مؤسسات مرنة وأخلاقية وغير ربحية، كما تبرز الأهمية الجوهرية للثقة والشرعية، والقيمة الرفيعة للتنمية المتكاملة طويلة الأمد.
لقد حاجج كتاب الصحة والفقر بأن الفقر ليس قدرًا محتومًا إذا ما قامت المؤسسات بدورها؛ وتضيف تجربة الشبكة أن هذه المؤسسات لا تنشأ عفويًا، بل يجب تصميمها وحمايتها وضمان استدامتها. وبهذا المعنى، فإن أعظم مساهمة للشبكة في المجال الصحي لا تتمثّل في عدد المرضى الذين خدمَتهم فحسب، بل في تقديم الدليل على أن التنمية القائمة على العدالة يمكنها أن تصمد وتستمر.