لماذا أصبحت التعددية أكثر أهمية من أي وقت مضى
17 مارس 2026 · 10 دقائق
بقلم ميريديث بريستون ماكغي، الأمينة العامة للمركز العالمي للتعددية (GCP) ــ وهي مبادرة تأسست بالشراكة مع حكومة كندا
في عصر يتّسم بالانقسام والخوف، تقدّم التعددية بارقة أمل ــ لا بوصفها أمنية مجردة، بل إطارًا عمليًا ومجرّبًا لتحقيق الوحدة والمرونة والازدهار. فهي تقوم على الإيمان بأن اختلافاتنا، بدلًا من أن تفرّقنا، يمكن أن تكون مصدر قوتنا الجماعية.
وتحوّل التعددية الطموح إلى عمل ملموس. فعندما نتفاعل بشكل بنّاء عبر الاختلافات، نصبح أكثر قدرة على معالجة المشكلات المعقّدة بفعالية، وتزدهر المجتمعات. فالتواصل مع الشباب المهمّش يقلّل من جاذبية التطرف، وبناء أنظمة هجرة شاملة يضمن نجاح القادمين الجدد والمجتمعات المضيفة معًا.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك إعادة توطين كندا للآسيويين الأوغنديين في السبعينيات، بعد طرد الآلاف في عهد عيدي أمين. فقد اندمجت الجماعات الإسماعيلية ــ بدعم من مزيج من الرعاية الحكومية والخاصة ــ بسرعة، وأسهمت في الاقتصاد الكندي وحياته المدنية ونسيجه متعدد الثقافات. وقد ساعدت تجربتهم في تشكيل "برنامج الرعاية الخاصة للاجئين" في كندا، الذي أصبح اليوم نموذجًا عالميًا يبرهن على أن التنوع والرخاء يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب.
ومع ذلك، يشكّل الاستقطاب والمعلومات المضللة تحديًا متزايدًا أمام التعددية اليوم. فتصاعد الخطاب الانقسامي ودوائر الصدى المغلقة يهددان بتقويض الثقة في المؤسسات وفي بعضنا البعض. وفي مثل هذا المناخ، لا تعود التعددية مجرد مثال أعلى، بل ضرورة ملحّة.
24 تشرين الثاني/نوفمبر 1972م: وصول الآسيويين المطرودين من أوغندا إلى مطار سخيبول.
Bert Verhoeff and Dutch National Archives
التعددية خيار فاعل
يوجد التنوع في كل مجتمع ــ سواء في اللغة أو العِرق أو الدين أو الجغرافيا أو الرؤية ــ لكن التعددية ليست مجرد وجودٍ سلبي لهذا التنوع. إنها خيار واعٍ ونشط للتفاعل مع الاختلافات بشكل بنّاء، وحلّ المشكلات، وبناء مستقبل مشترك. وسواء تجسّد ذلك في الاحتفالات الثقافية البلدية أو في التعاون عبر الرياضة والفنون، فإن التعددية تحوّل الاختلافات إلى جسور تمنع النزاعات وتعزّز التفاهم المتبادل.
غير أن هذا العمل ليس سهلًا. فلا يوجد مجتمع بمنأى عن التوترات التي قد تنشأ عن اختلاف الآراء والاحتياجات. ويزيد من تعقيد المشهد ما يُعرف بعقلية الندرة ــ أي الاعتقاد بأن الحقوق والموارد والفرص محدودة ــ وهو ما يغذّي الإقصاء. ومع ذلك، تُظهر التجارب أن ضمان الحقوق للفئات المهمَّشة يعود بالنفع على الجميع. فعلى سبيل المثال، أسهمت حركة حقوق ذوي الإعاقة في توفير المنحدرات الأرضية والترجمة النصية المصاحبة، وهو ما أفاد ليس فقط الأشخاص ذوي الإعاقة، بل أيضًا الأهالي والعاملين وكبار السن..
تكشف التجربة الكندية في تعدد الثقافات عن وعود التعددية والتوترات المصاحبة لها في آن واحد. فرغم أن السياسات الشاملة عززت التماسك والنمو، فإنها ليست حلًا سحريًا لكل المعضلات. فالتعددية ليست "جزءًا من الحمض النووي لكندا"، بل أشبه بعضلة يجب تمرينها باستمرار. وهي تتطلّب تحولًا في الرؤى: النظر إلى الاختلافات لا بوصفها تهديدات، بل مكاسب مشتركة. ولا يمكن للتعددية أن ترسخ جذورها إلا من خلال تعزيز الحوار، وتجاوز الثنائيات الضيقة، ورعاية مؤسسات شاملة. عندها فقط يمكن أن تصبح الركيزة الأساسية لبقائنا الجماعي.
يتطلب التعدد أن ننظر إلى الاختلافات على أنها موارد، وليست تهديدات.
تزدهر الاقتصادات بتبني نهج التعددية
ليست التعددية مجرد التزام أخلاقي، بل ضرورة اقتصادية أيضًا؛ فالمجتمعات المتنوعة تبتكر وتتكيّف وتزدهر. فالمهاجرون يسدّون فجوات العمالة، ويعزّزون الإنفاق، ويقودون قطاعات حيوية تمتد من التكنولوجيا إلى الزراعة. وتؤكد الأبحاث هذا الاتجاه؛ إذ تُظهر دراسة أُجريت عام 2017 أن زيادة التنوع بنسبة 1% ترتبط بارتفاع الإيرادات بنسبة 2.4%، وبمكاسب إنتاجية تصل إلى 0.5%. كما تتفوّق الشركات التي تتبنّى التنوع على غيرها في مجالات الإبداع وإدارة المخاطر والربحية.
وتُسهم التعددية كذلك في تقوية الاقتصادات عبر تعزيز العدالة؛ فالعوائق الهيكلية تُبطئ النمو من خلال إقصاء الكفاءات. وتُبرز معاناة الأقليات في كينيا في الحصول على وثائق المواطنة ــ وما يترتب على ذلك من حرمان من الوظائف والرعاية الصحية والتعليم ــ كيف يمكن للإقصاء أن يخنق الاقتصادات. وتعمل منظمات مثل "نَماتي كينيا"، الحائزة على جائزة التعددية العالمية، على تفكيك هذه العوائق وإطلاق العنان للإمكانات الوطنية.
التعددية كعلاج للتطرف
غالبًا ما ينشأ التطرف من الإقصاء؛ فعندما يشعر الأفراد بالاغتراب، تستغل السرديات المتطرفة هشاشتهم. وتعمل التعددية على مواجهة ذلك من خلال تعزيز الشعور بالانتماء عبر الحوارات المجتمعية، والبرامج بين الأديان، والتبادل الثقافي. فالحوار الحقيقي ــ القائم على الإنصات دون اشتراط الاتفاق ــ يكشف عن الاحتياجات غير الملباة التي تغذي التطرف، مثل الحاجة إلى الهوية والانتماء.
تُعدّ منظمة "مارش" في لبنان، بقيادة ليا بارودي، نموذجًا بارزًا يبرهن على قوة الحوار في مواجهة التطرف. ويُظهر عمل ليا في بناء السلام وفضّ النزاعات مع مقاتلين سابقين من منطقتَي جبل محسن وباب التبانة ــ اللتين شهدتا صراعات دامية ــ أن النهج التعددي قادر على معالجة نزاعات تبدو مستعصية.
وقد استخدم برنامج "مسرح المصالحة" التابع للمنظمة الفنون الأدائية لتوحيد الشباب من الأطراف المتنازعة، خصوصًا في طرابلس وبيروت وعكار. فقد جمع العمل المسرحي حب وحرب على السطح شبابًا لم يسبق لهم أن تحدثوا مع بعضهم البعض، وكان كل طرف يرى في الآخر عدوًا. ومن خلال العملية الإبداعية، اكتشفوا إنسانيتهم المشتركة. وكما أوضحت ليا، فعندما بدأوا أخيرًا في الحديث، وجدوا ما يوحّدهم بدلًا مما يفرّقهم.
استخدمت ليا بارودي الإنتاج المسرحي لتوحيد الشباب من الأطراف المتنازعة في طرابلس وبيروت وعكار.
المركز العالمي للتعددية
التعددية لا تزدهر في الأوساط المنغلقة
كما يُظهر عمل ليا بارودي، تتطلّب التعددية تواصلًا حقيقيًا؛ فبالرغم من اتساع نطاق التواصل الرقمي، فإننا نزداد تشرذمًا. ويغري الخوف من الانقسام الثقافي البعض بمحاولة تقليص الاختلافات، لكن التعددية تدعونا إلى احتضانها وصياغة مواطنة مشتركة. وفي كندا، يتجسّد ذلك يوميًا؛ إذ تحتفل المجتمعات معًا وتدعو الجميع للمشاركة في مهرجانات تكرّم تراثهم. وفي أوتاوا، تجعل الأجندة الحافلة بالمهرجانات ــ البولندية والبرازيلية والأصلية والتركية والمكسيكية، على سبيل المثال لا الحصر ــ من المدينة نموذجًا مصغّرًا لروح التعددية الكندية.
ويتطلّب حكم المجتمعات المتنوعة تحقيق توازن دقيق بين المصالح المتعارضة. ويحذّر النقاد مما يُسمّى بـ"استبداد الأقلية"، حيث تؤثّر مجموعات صغيرة ومنظّمة على القرارات على حساب عامة السكان. وفي المقابل، ينطوي "استبداد الأغلبية" على خطر قمع حقوق الأقليات تحت حكم الأغلبية. ويكمن الحل في اتخاذ القرار بشفافية، وتعزيز الحوار، واعتماد التسوية للتخفيف من حدّة التوترات. ومن الأدوات الفاعلة أيضًا "تقرير المصير" ــ أي تمكين المجموعات داخل الدول الكبرى من معالجة المظالم قبل أن تتفاقم.
وبدلًا من الخوف من أن تؤدي الاختلافات إلى خلق تراتبية بين المجموعات، تؤكد التعددية أنه لا ينبغي لأي مجموعة أن تفرض معتقداتها أو أنماط حياتها بما يضر بالآخرين. ويُعد هذا الإطار عنصرًا أساسيًا إذا أرادت الحكومات منع النزاعات ومساعدة المجتمعات المتنوعة على الازدهار.
دعوة للعمل
بدءاً من مكافحة التطرف وصولاً إلى دفع عجلة النمو، تعالج التعددية بعضاً من أكبر التحديات في عصرنا. ورغم أن هذا المسار صعب، إلا أنه ضروري. ومن خلال الالتزام بإنسانيتنا المشتركة واحتضان الاختلافات، فإننا نبني مجتمعات أكثر أماناً وأكثر ازدهاراً وعدلاً. إن التعددية ليست مجرد رؤية – بل هي وعد يجب علينا جميعاً العمل على الوفاء به.
صاحب السمو الآغا خان، في رسالته الموجهة خلال حفل توزيع جائزة التعددية العالمية لعام 2025.