ماذا بعد توقف المساعدات؟
15 إبريل 2026 · 5 دقائق
Rich Townsend
عندما أُعلن، في أوائل عام 2025، عن تخفيضات حادّة في المساعدات التنموية الثنائية، غصّت خطوط الهاتف الخاصة بـ "حركة التنمية بقيادة المجتمع"، وهو ائتلاف عالمي يقوده عالم الأغلبية ويضم منظمات محلية ومنظمات غير حكومية دولية.
تقول غونجان فيدا، الأمينة العامة العالمية للحركة: "امتلأ حسابي على واتساب برسائل من الأعضاء يتساءلون عمّا إذا كان الخبر صحيحاً". وتدفقت الاستفسارات حول سلامة أفراد العائلات الذين يعتمدون على الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، وحول مستقبل المراكز الصحية القروية.
وتضيف فيدا: "لكن هل تعلم ما كان مفطِرًا للقلب حقًا؟ أن نسمع ذلك من الأعضاء الذين يديرون هذه المبادرات محليًا؛ فقد اتصلوا قائلين: المجتمع لا يدرك أننا لا نستطيع مواصلة هذا العمل بسبب ما حدث في الدول المانحة. ما يراه الناس هو أننا أغلقنا المركز الصحي الذي كنا نديره. يرون الأدوية في الداخل، لكنها لا تُوزَّع من قِبلنا ــ وهم غاضبون".
تعقد كوليثا تشيبوندي، الناشطة المجتمعية، اجتماعًا مع مجموعة نسائية محلية لمناقشة القضايا التي تؤثر في المجتمع في تنزانيا.
Rich Townsend
إنَّ تَبَدُّد الثقة بين أفراد المجتمع من جهة، وبين الأطباء والممرضين والمعلمين الذين أشرفوا على المبادرات المموّلة من المانحين من جهة أخرى ــ وكثيرٌ منهم ينتمي أصلًا إلى هذه المجتمعات المتضررة ــ يكشف عن قضية أوسع وأكثر خطورة: اعتماد الأنظمة الصحية في دول بأكملها على بنية المساعدات الدولية التي تزداد هشاشة.
ومع ذلك، فإن هذه التداعيات، رغم تسارعها بفعل التحولات في أنماط التمويل، ليست جديدة بالنسبة إلى فيدا وشركائها في دعم التنمية التي يقودها المجتمع، إيلين كلوت من منظمة "أوتريتش إنترناشيونال" وماثيو ريفز من مؤسسة الآغا خان (AKF).
يقول ريفز، المسؤول العالمي لقطاع المجتمع المدني في مؤسسة الآغا خان: "كثيرًا ما جرّدت الأساليب التقليدية في ممارسة التنمية المجتمعاتِ من قدرتها على الفعل؛ فباتت العديد من المجتمعات تعتقد أنها بحاجة إلى منظمة دولية غير حكومية لتنفيذ مشروع ما، أو إلى جهة مانحة كي يتحقق أي إنجاز ــ لأن عقودًا من العمل بهذه الطريقة أنهكتها".
وتضيف إيلين كلوت، الرئيسة والمديرة التنفيذية لمنظمة "أوتريتش إنترناشيونال": "ما لاحظناه أيضًا هو ضعف في إدارة هذه المبادرات؛ فالمشاريع التي تموّلها المنظمات الدولية غير الحكومية، وغالبًا ما تكون مرتبطة بجدول زمني صارم، لا تُستكمل دائمًا. العمل يتوقف، والتمويل ينقطع، ثم يأتي الانسحاب".
ماثيو ريفز، مسؤول قطاع المجتمع المدني، مؤسسة الآغا خان
إنَّ فقدان التمكين الذاتي المستبطن، وفشل الاستدامة في ظل النظام القائم، أدّيا إلى توجّس المجتمعات من المبادرات التنموية، فيما تآكلت الثقة بقدرة هذه المجتمعات وإمكاناتها. ومع ذلك، تُسلّط هذه الإخفاقات الضوء على فرصة لبناء نموذج مختلف من الأنظمة.
وتقول فيدا: "بدأ الناس يدركون أن النظام الحالي كان إشكاليًا، وهناك حديث متزايد عن ضرورة إنشاء نظام مختلف ــ وهو ما أراه فرصة حقيقية للتنمية التي يقودها المجتمع".
تُسهم التنمية التي يقودها المجتمع في نقل القوة إلى الناس أنفسهم، إذ تضع عملية صنع القرار والموارد والمسؤولية في أيدٍ محلية بدلًا من إبقائها لدى أطراف خارجية.
Ali Shaheen
ما يميّز التنمية التي يقودها المجتمع عن النماذج التقليدية هو أن عمليات اتخاذ القرار الجماعي، والتنفيذ، وإدارة الموارد، والرقابة المالية، والتكيّف، تقع بالكامل على عاتق المجتمع. ففي النماذج التقليدية، غالبًا ما تتولّى الأطراف الخارجية ــ من منظمات غير حكومية أو حكومات أو جهات مانحة ــ تحديد الأولويات، وتوجيه التمويل، وتصميم المشاريع، بينما تُشرك المجتمعات أساسًا بوصفها متلقّين أو منفّذين. أمّا التنمية التي يقودها المجتمع، فتعمل على إعادة تشكيل ميزان القوى هذا.
هذا هو النهج الذي تستكشفه فيدا والمحرّرة المشاركة كلوت في كتابهما الجديد حول إعادة التفكير في التنمية، بعنوان: "التنمية التي يقودها المجتمع في حيز التنفيذ: نحن نصنع التغيير بأنفسنا".
ومن خلال الاعتراف بالتأثير والقدرة على الفعل التي تمتلكها المجتمعات في رسم مسارات تنميتها وتعزيزها، يسلّط الكتاب الضوء على العديد من المجتمعات التي مارست، وما تزال تمارس، التنمية بطريقتها الخاصة.
تقود نازغول توردوبيكوفا، الناشطة في حقوق المرأة والطفل، اجتماعًا لنساء منخرطات في مركز أزمات "إني أويو"، وهو مأوى للنساء في بيشكيك بجمهورية قيرغيزستان.
Rich Townsend
يقول ريفز: "تقود المجتمعات تنميتها الخاصة طوال الوقت، سواء كنا حاضرين أم لا. وقد برز ذلك بوضوح في بدايات جائحة كوفيد-19، ويظهر اليوم أيضًا، وإن بدرجة أقل، مع التحولات الجارية في التمويل".
ويستشهد بلجنة قروية في قرية جدوعة في سوريا، التي تمكّنت ــ بفضل منحة أولية صغيرة من مؤسسة الآغا خان ــ من حشد 450 أسرة في القرية للمساهمة في بناء قاعة مجتمعية، من خلال التطوّع بالوقت وتقديم مساهمات نقدية وعينية. وبفضل تغطيتها 30% من التكلفة الإجمالية للقاعة، أصبحت جهود اللجنة في التعبئة نموذجًا يُحتذى به، جرى تطبيقه لاحقًا في خمس قرى سورية أخرى.
غونجان فيدا، الأمينة العامة العالمية لحركة التنمية بقيادة المجتمع
ويضيف ريفز: "إنَّ حشد الجهود الذي قامت به لجنة قرية جدوعة ليس سوى مثال واحد من بين أمثلة كثيرة؛ ففي عام 2024 وحده، جمعت المجتمعات التي تعمل مع مؤسسة الآغا خان مبلغ 12.4 مليون دولار محليًا، من خلال مساهمات بالوقت والأموال والمواد، وهو ما يشكّل دليلًا صارخًا على إمكانات الاستثمار الذي يقوده المجتمع".
ويتابع ريفز، رابطًا بين هذا المثال والتحوّلات الأوسع في مشهد التمويل التنموي: "إن أي عالم تتدفّق فيه الموارد المالية للتنمية حصريًا من دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية هو عالم ينتمي إلى الماضي. يجب أن تعترف نماذجنا ــ وأي نماذج تنموية أخرى ــ بتعقيدات عالم اليوم. وهذا الرقم (12.4 مليون دولار) يبرهن أن تمويل التنمية يمكن أن يُستمد من الهند أو موزمبيق. هذا ممكن، وهو يحدث بالفعل منذ وقت طويل جدًا".
وبينما تتزايد التساؤلات حول جدوى مساعدات التنمية الخارجية، يثبت الاعتراف بالمجتمعات في عالم الأغلبية بوصفها المحرّك الأساسي لتنميتها الخاصة ــ والالتزام بالعمل معها ومن خلالها ــ أنه نهج فعّال، منخفض التكلفة، ومستدام.
Rich Townsend
إنَّ تفعيل الموارد المحلية يضمن أيضًا استدامة التنمية. وبالنسبة لكلوت، فإن هذا يشكّل اختبارًا حقيقيًا لما إذا كانت منظمات مثل "أوتريتش إنترناشيونال" أو مؤسسة الآغا خان تمكّن المجتمعات فعليًا من قيادة تنميتها الخاصة.
وتوضح كلوت: "التنمية التي يقودها المجتمع تتيح بناء تلك الشبكات المحلية ــ وتدفق الموارد المحلية ــ بحيث إذا حدث انقطاع في التمويل من جهة خارجية، فلا ينهار النظام الداخلي بالكامل".
وتتابع: "لهذا نستثمر في هذا النوع من التنمية؛ لأننا ملتزمون بإحداث أثر طويل الأمد".
ويضيف ريفز، مكمّلًا الصورة من زاوية أوسع: "الأمر الآخر الذي يحققه حشد الموارد المحلية هو تغيير موازين القوى وديناميكيات الثقة".
فيليمون ماكسينيسي، من سكان قرية غريما
تجسّد إحدى السرديات الواردة في كتاب "نحن نصنع التغيير بأنفسنا" ثقل هذه المشاعر. فحين كانت منظمة "شركاء القرية الواحدة" ــ وهي من الجهات الممارسة للتنمية التي يقودها المجتمع والمساهمة في الكتاب ــ تعمل بالشراكة مع مجتمع محلي في سيراليون، سألت القرويين عن سبب رقصهم بحماس خلال اجتماع مجتمعي لمناقشة إنشاء عيادة صحية. عندها أجاب فيليمون ماكسينيسي، من سكان قرية غريما: "لقد نفّذت سبع منظمات غير حكومية مشاريع هنا… وهذه هي المرة الأولى التي يسألنا فيها أحد عمّا نريده!" ثم عاد إلى الرقص.
وتكشف هذه السردية، وغيرها، عن حقيقة أعمق: فبينما تخضع الحجج الداعمة لمساعدات التنمية الخارجية لتدقيق متزايد، يتعيّن على قطاع التنمية أن يدرك أن المجتمعات في عالم الأغلبية كانت دائمًا ــ ويجب الاعتراف بها ــ المحرّك الأساسي لتنميتها الخاصة. كما يثبت التزام الفاعلين الدوليين بالعمل مع المجتمعات المحلية ومن خلالها أنه نهج فعّال، منخفض التكلفة، وقابل للاستدامة.
وتقول فيدا: "الحقيقة هي أن الموارد الأكبر كانت دائمًا موجودة في المجتمع، والموارد الأكبر هي أفراد المجتمع أنفسهم. إن المستقبل هو للتنمية التي يقودها المجتمع".