كلمة ألقاها الأمير علي محمد آغا خان, نارين، جمهورية قيرغيزستان · 20 يونيو 2026 · 12 دقائق
AKDN / Iskender Ermekov
بسم الله الرحمن الرحيم.
أصحابَ المعالي الوزراء،
أصحابَ السعادة المحافظين،
رئيسَ وأعضاءَ مجلس الأمناء،
رئيسَ جامعةِ آسيا الوسطى وأعضاءَ هيئة التدريس والموظفين،
أولياءَ الأمور، والشركاءَ، والأصدقاء،
والأهم من ذلك، خريجي دفعة عام 2026 الأعزاء:
يسعدني كثيراً أن أكون معكم اليوم، ويشرّفني أن أشارككم وعائلاتكم هذه اللحظة المميزة هنا في نارين.
انطلاقاً من تجربتي الشخصية، التي لا تزال حديثة نسبياً، أستطيع القول إنّ حفل التخرّج هو يوم تختلط فيه مشاعر كثيرة. فقد تشعرون بالامتنان، وقد يغمركم الفخر والارتياح بعد إتمام دراستكم الجامعية، وقد يملؤكم حماسٌ ممزوجٌ بشيء من الحنين والمرارة، إذ ربما تودّعون اليوم أصدقاءً أمضيتم معهم معظم السنوات الخمس الماضية.
وربما يساوركم شيءٌ من القلق تجاه العالم الذي أنتم مقبلون عليه، وأنتم تحاولون العثور على مكانكم فيه.
صدقوني، لقد عشتُ هذه المشاعر كلّها بنفسي قبل وقت ليس ببعيد. لكن، مهما كثرت الأفكار التي تدور في أذهانكم اليوم، أودّ منكم أن تحتفظوا في بالكم بما سأقوله الآن.
في عالمٍ يتغيّر بالسرعة التي نعيشها اليوم، فإن تخصيصَ سنواتٍ من حياتكم لإتمام الدراسة الجامعية يُعدّ قراراً بالغ الأهمية. كما أنّ مغادرة منازلكم والابتعاد عن عائلاتكم ليس أمراً سهلاً. وبكل صراحة، كان القدومُ إلى جامعة آسيا الوسطى أشبهَ بخطوةٍ جريئة أقدمتم عليها بثقةٍ وإيمانٍ كبيرين.
فهذه الجامعة، رغم حداثة عهدها نسبياً، وبمجتمعها الطلابي المتماسك وهيئتها التدريسية الصغيرة ومواقعها الجغرافية النائية نسبياً، لا بدّ أنها دفعتكم أنتم وعائلاتكم إلى التفكير مليّاً، وربما مرّتين أو ثلاثاً، قبل اتخاذ هذا القرار. لكنّ ذلك تحديداً جزءٌ ممّا يجعل جامعة آسيا الوسطى، وتجربتكم فيها تجربةً فريدة بكل معنى الكلمة.
تتطلّب المؤسساتُ الفتية من جميع من يساهمون في بنائها روحاً خاصة، وقدراً كبيراً من الصبر، وصلابةً في الشخصية. وخلال السنوات الخمس الماضية، تطلّب ذلك من كلّ واحدٍ منكم الكثير.
هذا الاختيار يعكس شيئاً جوهرياً فيكم؛ فهو يقول إنكم تتحلّون بالفضول، وأنكم منفتحون على آفاق جديدة، وأنكم مستعدّون للثقة بأنفسكم وببعضكم بعضاً، حتى عندما لا يكون الطريق أمامكم واضحاً.
ويقول أيضاً إنكم تملكون الشجاعة للإقدام على خطوات تتطلّب قدراً كبيراً من الثقة والإيمان.
قد لا تُكتب هذه الصفات على شهادات تخرّجكم، لكنها كامنة في داخلكم، وربما يتبيّن مع الزمن أنها من أهمّ ما اكتسبتموه في مسيرتكم التعليمية.
لذلك، أطلب منكم ألا تكون هذه آخرَ مجازفةٍ تخوضونها، وألا تكون هذه آخرَ خطوةٍ جريئةٍ تقدمون عليها بثقةٍ وإيمان.
آمل أن تحملوا معكم دائماً ذلك الفضول الذي قادكم إلى هنا، وآمل أن تواصلوا الثقة بأنفسكم وأنتم تشقّون دروباً جديدة.
هذا إنجازُكم أنتم، وهو لحظةُ فخرٍ كبيرةٌ لعائلاتكم ولمعلّميكم، ولمجتمعِ جامعةِ آسيا الوسطى بأسره. وباسم جميع الحاضرين هنا، أتقدّم إليكم بأحرّ التهاني وأصدق التبريكات.
السيداتُ والسادة، لقد شاركتكم بعضاً من تأمّلاتي الشخصية بشأن هذه المحطّة البارزة.
ويشرّفني الآن أن أنقل إليكم رسالةً من أخي، مستشارِ الجامعة، صاحبِ السمو الآغا خان:
أعزائي الخرّيجين، وأعضاءَ مجتمع الجامعة، والعائلاتِ، والأصدقاء،
يسعدني كثيراً أن أبعث إليكم بأحرّ تحياتي في هذا اليوم الهام.
يؤسفني أنني لا أستطيع أن أكون معكم شخصياً، لكنني سعيدٌ للغاية بوجود الأمير علي معكم في نارين، وبأنّ حفل التخرّج هذا يجمع مجتمعَ الجامعة في كلٍّ من نارين وخوروغ.
أُنشئت جامعةُ آسيا الوسطى لتكون جامعةً واحدةً تمتدّ عبر أكثر من موقع. واليوم، ورغم ما يفصل بينكم من حدودٍ ومسافات، تجتمعون كمجتمعٍ واحد.
إلى الخرّيجين، أتقدّم إليكم بأحرّ التهاني.
هذا يومُ إنجازٍ لكلّ واحدٍ منكم.
وهو أيضاً يومُ فخرٍ لعائلاتكم، التي ساندتكم بالمحبّة والتضحية.
وهو يومُ فخرٍ لمعلّميكم، الذين أرشدوكم وحفّزوكم لتقديم أفضل ما لديكم.
وهو كذلك يومُ امتنانٍ لكلّ من أسهم عملُه في جعل تعليمكم ممكناً؛ أعضاءِ الهيئة التدريسية والإدارية، ومجلسِ الأمناء، والمانحين، والمتطوّعين، والشركاء، والمجتمعاتِ التي وقفت خلف هذه الجامعة.
يشكّل التخرّج دائماً محطةً شخصيةً فارقةً في حياة الإنسان. أمّا تخرّجكم أنتم، فله مكانةٌ خاصةٌ في تاريخ جامعةِ آسيا الوسطى، إذ تتخرّجون بعد مرور 25 عاماً على توقيع المعاهدة التي أُنشئت بموجبها هذه المؤسسة.
جمعت تلك المعاهدةُ رؤساءَ كلٍّ من طاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان، والإمامةِ الإسماعيلية، في التزامٍ جريء تجاه شعوب هذه المنطقة، ولا سيّما المجتمعاتِ الجبلية فيها.
ومن هنا، فمن الواجب أن نُشيد برؤيةِ مؤسّسي جامعةِ آسيا الوسطى. وأفعل ذلك بامتنانٍ خاص لرؤيةِ وتفاني والدي الراحل، صاحبِ السمو الآغا خان الرابع، أوّلِ مستشارٍ للجامعة.
آمن إيماناً عميقاً بأنّ الموهبة لا تحدّها الجغرافيا.
كما آمنَ بأنّ الشباب في المجتمعات الجبلية ينبغي أن تتاح لهم فرصةُ الحصول على تعليمٍ بأعلى مستويات الجودة.
وآمن أيضاً بأنّ المعرفة، حين تقترن بالأخلاق وروح الخدمة، قادرةٌ على تحسين نوعية الحياة للأفراد والعائلات والمجتمعات.
ولا تزال هذه الرؤيةُ تشكّل جوهرَ جامعةِ آسيا الوسطى.
خمسةٌ وعشرون عاماً مدّةٌ زمنيةٌ تحمل دلالةً كبيرة؛ فهي كافيةٌ لندرك أنّ الفكرة التأسيسية كانت راسخة، وأن نُقدّر تفاني أولئك الذين بنَوا هذه الجامعة بكلّ هذا القدر من العناية، وأن نحتفي بإنجازاتٍ حقيقية.
لكنّ مرور خمسةٍ وعشرين عاماً يشكّل أيضاً لحظةً للتطلّع إلى المستقبل.
فالعالمُ من حولنا يتغيّر بسرعة، والمعرفةُ تتنامى بوتيرةٍ لافتة، والتكنولوجيا تعيد تشكيلَ الاقتصادات والمجتمعات. كما يؤثّر تغيّرُ المناخ في حياة الناس وسبل عيشهم، ولا سيّما في المناطق الجبلية. وتزداد احتياجاتُ المجتمعات تعقيداً يوماً بعد يوم.
ولهذا السبب، ليست ذكرى تأسيسها هذا العام مناسبة للاحتفال فحسب، بل فرصةً للتأمل والتجديد.
وفي إطار هذا العمل، أجرت الجامعةُ مراجعةً استراتيجيةً للنظر في الكيفية التي يمكن بها أن تعزّز تركيزها، وتعمّق أثرها، وتظلّ وفيّةً لرسالتها.
لا تتمثّل المهمةُ المقبلة في أن تصبح الجامعةُ مؤسسةً مختلفة، بل في أن تصبح جامعةً أقوى: أكثرَ تركيزاً، وأكثرَ استدامة، وأكثرَ قدرةً على خدمة الناس والمجتمعات التي أُنشئت من أجلها.
ولهذا، أودّ اليوم أن أتوجّه مباشرةً إلى الخرّيجين؛ فأنتم المعيارُ الحقيقي لهذه الجامعة.
المباني، والبرامج، والاستراتيجيات، كلّها أمورٌ مهمّة. لكنّ نجاحَ الجامعة يُقاس بحياة خرّيجيها، وبمدى إسهامهم في خدمة الآخرين.
منحتكم مسيرتكم التعليميةُ المعرفةَ والمهارات. وآمل أن تكون قد عزّزت قدرتكم على إصدار الأحكام السليمة، وعمّقت إحساسكم بالمسؤولية، وهيّأتكم للإصغاء بعناية، والتفكير باستقلالية، والعمل مع الآخرين بروحٍ من الاحترام.
أنتم تدخلون عالماً سيتطلّب منكم الكثير: التكيّفَ مع التغيير، واتخاذَ القرارات في ظروفٍ غير يقينية، واستخدامَ الأدوات الجديدة بحكمة، والاهتمامَ ليس بنجاحكم الشخصي فحسب، بل أيضاً برفاهِ مجتمعاتكم.
آمل أن تواجهوا هذا العالم بثقة.
ليست الثقةَ التي تدّعي امتلاك كلّ الإجابات، بل الثقةَ التي تنبع من الاستعداد، ومن القيم، ومن إدراككم أنكم جزءٌ من شيءٍ أكبر من ذواتكم.
وأينما تأخذكم الحياة من الآن فصاعداً، آمل أن تظلّوا على صلةٍ ببعضكم بعضاً، وبمجتمعاتكم، وبجامعةِ آسيا الوسطى.
ومع استمرارِ جامعةِ آسيا الوسطى في التطوّر، ستُتاح لكم أنتم أيضاً فرصٌ للخدمة، والقيادة، والمساهمةِ في رسم ملامح مستقبل هذه المنطقة.
وأملي أن تحملوا معكم الروحَ التي أوجدت هذه الجامعة: روحَ الشجاعة والفضول والخدمة والثقةِ بالمستقبل.
ومرّةً أخرى، أتقدّم إلى دفعةِ 2026 بأحرّ التهاني.
عسى أن تحمل لكم السنواتُ المقبلة تحقيقَ الذات، والحكمةَ، وفرصاً عديدةً للإسهام في خدمة المجتمعات التي ستخدمونها.
شكراً لكم.