كلّ أزمةٍ تحمل في طيّاتها فرصة… وهذا قد يكون الوجهَ المشرقَ لـ"تقشّف المساعدات"
وسط الفوضى التي أحدثها التراجع التاريخي في الإنفاق على التنمية الدولية، بدأت ملامح اتجاه إيجابي تتشكل
8 يوليو 2026 · 9 دقائق
AKDN / Harry Johnstone
بقلم هاري جونستون
تدفع التخفيضاتُ الحادّة في موازنات التنمية الدولية الجهاتَ المانحة إلى التوجّه نحو التمويل المباشر لمنظمات المجتمع المدني المحلية. وفي مقالٍ نشرته صحيفة ذا تلغراف، يستعرض الصحفي والمتخصص في شؤون المساعدات هاري جونستون السبلَ التي تمكّن الجهاتَ المانحة من إنجاح هذا التوجّه. وتشمل مقترحاته تقديمَ منحٍ طويلة الأجل لدعم الحشد المجتمعي والحوكمة، إلى جانب ضمانات القروض، والتمويل المطابق، ورأس المال التحفيزي.
ومن بين الأمثلة التي يوردها برنامجُ "أغروفيدا" التابع لمؤسسة الآغا خان (AKF)، الذي يدعم منظماتِ تنمية القرى في شمال موزمبيق لتعزيز الادخار وتسهيل الوصول إلى الائتمان. وتُعدّ مؤسسةُ الآغا خان إحدى وكالات شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN).
قد يكون الحديثُ عن عالمٍ "ما بعد المساعدات" مبالغًا فيه، لكن لا شكّ أننا نعيش مرحلةً تشهد انكماشًا تاريخيًا في الإنفاق على التنمية الدولية. ومع بدء ظهور الآثار الفعلية لهذه التخفيضات، تتواصل النقاشاتُ حول مستقبل المساعدات، وأولوياتها، ومدى جدواها.
غير أن ثمة تطوّرًا إيجابيًا بدأ يلوح في الأفق، يتمثّل في التحوّل، الذي طال انتظاره، نحو تمكين الجهات المحلية. وبالنسبة للجهات المانحة المستعدة اليوم لترجمة التزاماتها إلى أفعال، يبقى السؤال: كيف يمكن تمويلُ منظماتِ المجتمع المدني المحلية؟
ويقول أولاف كيورفن، نائبُ وزير التنمية الدولية السابق في النرويج: "إنها معضلة". ويضيف: "في المجال الإنساني، اتفق الجميعُ من حيث المبدأ، وعلى مدى ما لا يقلّ عن خمسة عشر عامًا، على ضرورة الانتقال من نموذجٍ يعتمد على المنظمات الخارجية التي تعمل من أعلى إلى أسفل، إلى نموذجٍ يتيح توجيه الموارد بصورة مباشرة إلى المنظمات غير الحكومية المحلية. لكن ما تحقق على أرض الواقع ظلّ محدودًا للغاية".
ويرى السيدُ كيورفن أن السببَ يعود إلى استمرار المنظمات الدولية الكبرى في السعي للحصول على التمويل لنفسها، إذ تتمكّن في الغالب من التفوّق على منظماتِ المجتمع المدني المحلية عند التقدّم بطلبات المنح أو بناء العلاقات مع الجهات المانحة. كما يخشى المانحون أن تنتهي الأموالُ المخصّصة للمنظمات المحلية الصغيرة في أيدٍ غير أمينة، وهو ما يجعل مستوى الثقة لا يزال منخفضًا.
وبوجهٍ عام، تُعرَّف منظماتُ المجتمع المدني بأنها مؤسساتٌ مستقلة تعمل إلى جانب الحكومة والقطاع الخاص، وتنطلق من العمل المدني التطوعي، وتسعى إلى تحسين حياة المجتمعات المحلية، وصون الكرامة الإنسانية، وتعزيز المصلحة العامة في طيفٍ واسع من القطاعات.
وثمة أمثلةٌ عديدة على نجاح منظماتِ المجتمع المدني في تحقيق نتائج استثنائية في مجالاتٍ مثل الزراعة والتعليم والرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، أسهم برنامجُ "التخرّج من الفقر المدقع" الذي تنفّذه منظمةُ براك" في بنغلادش في انتشال 14 مليون شخص من براثن الفقر المدقع.
في منطقة تيودور كريك بمومباسا، تتعاون مؤسسة الآغا خان مع منظمة محلية غير حكومية يقودها الشباب تُدعى "بيغ شيب"، (Big Ship) لدعم وتعزيز الجهود المجتمعية الرامية إلى حماية غابات المانغروف واستعادتها. وتوفر "بيغ شيب" مصادر بديلة لكسب الرزق، تشمل تربية النحل، وصيد السلطعون، وإدارة المشاتل، وجمع النفايات لإعادة تدويرها، بما يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة للسكان، وفي الوقت نفسه يسهم في حماية النظام البيئي.
AKDN / Christopher Wilton Steer
ومع ذلك، ورغم هذه النتائج، لا تزالُ كثيرٌ من الجهاتِ المانحة تجد صعوبةً في تغيير نهجها. ويقول ديفيد ماترن، الممثلُ المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الرأس الأخضر، إن تحقيق ذلك يتطلّب تغييرًا في طريقة التفكير. ويرى ماترن أن هذا التحوّل يبدأ عندما تدرك الجهاتُ المانحة، عن قناعة، أن منظماتِ المجتمع المدني المحلية تمثّل ركيزةً أساسية لتحقيق التنمية، ولا سيّما في المناطق الريفية النائية.
غير أن أثرَ هذه المنظمات يتجاوز مؤشراتِ التنمية وحدها؛ فتمكينها يسهم في تعزيز النسيج الاجتماعي، كما أن وجودها بحدّ ذاته يعزّز روحَ المبادرة والمسؤولية والمساءلة داخل المجتمعات. وهذه البُنى والممارسات تشكّل أساسًا متينًا للاستقرار المستقبلي وللتنمية الاقتصادية والسياسية.
وفي وقتٍ تتساءل فيه حكوماتُ الدول الغنية عن مدى خدمة المساعدات لمصالحها الوطنية، يجدر التأكيدُ مجددًا على أن بعض أبرز التحديات التي تواجه بلدانَ الشمال العالمي، مثل الإرهاب والحروب والهجرة، يمكن الحدّ منها من خلال تنميةٍ محليةٍ فعّالة وحوكمةٍ رشيدة تُبنى وتُحافَظ عليها على مدى عقود.
وعلى الرغم من سياسة "تقشّف المساعدات"، قد تتمكّن منظماتُ المجتمع المدني المحلية من استقطاب تمويلٍ أكبر مما كانت تحصل عليه في السابق. فبعد خفض الإنفاق على المنظمات الدولية الكبرى ذات الهياكل الإدارية الثقيلة، قد تتوافر لدى الجهاتِ المانحة مواردُ أكبر يمكن توجيهها إلى المنظمات المجتمعية المحلية الأقل كلفة.
وعلاوةً على ذلك، وكما يوضح القسمُ التالي، تستطيع جهاتٌ مانحة مثل مؤسسة "لا كايشا" الحدَّ من المخاطر التي تواجه منظماتِ المجتمع المدني من خلال توفير تمويلٍ أولي، بما يجعل هذه المنظمات الصغيرة مؤهلةً للحصول على تمويلٍ إضافي من القطاع الخاص.
فكيف ينبغي للمسؤولين عن برامج المساعدات في العواصم أن يموّلوا هذه الجهاتَ المحلية؟ لعلّ أهمَّ مبدأ يتمثّل في اعتماد نهجٍ طويل الأمد يركّز على تعزيز قدرات المنظمات المحلية وبنيتها المؤسسية.
وينبغي أن تدعم المنحُ المقدَّمة لهذه المنظمات مجموعةً من العناصر الأساسية، تشمل الحشدَ المجتمعي، ووضعَ نموذجٍ للنمو المالي، وتعزيزَ الحوكمة المؤسسية، والمساءلة، وآلياتِ المتابعة. كما ينبغي أن يشجّع التمويلُ هذه المنظمات على الانخراط مع الحكومات والإدارات المحلية في عمليات وضع السياسات والتخطيط والتنمية في مناطق عملها.
وثمّة نهجٌ آخر لدعم المجتمع المدني المحلي يتمثّل في الحدّ من المخاطر المالية التي كثيرًا ما تحول دون تمكّن هذه المنظمات من الوصول إلى مصادر التمويل.
يمكن لأدواتٍ مثل ضماناتِ القروض، والقروضِ منخفضةِ الفائدة، أو الاتفاقياتِ التي تتعهّد بتحمّل الخسائر المحتملة، أن تشجّع البنوكَ والمؤسساتِ المالية الأخرى على إقراض المجموعات المجتمعية التي كانت ستعدّها، في الظروف العادية، عاليةَ المخاطر.
وفي إثيوبيا، أسهم برنامجٌ يتعهّد بتغطية 70% من الخسائر المحتملة في فتح المجال أمام تمويل التعاونيات الزراعية الصغيرة، والمزارعات، والمزارعين الشباب، وهي فئاتٌ كانت تُستبعَد تقليديًا من الحصول على الائتمان.
وفي شمال موزمبيق أيضًا، استفاد المزارعون والاقتصاداتُ المحلية من أدواتِ التمويل منخفضةِ المخاطر. ويتيح برنامجُ "أغروفيدا" التابع لمؤسسة الآغا خان لمنظماتِ تنمية القرى الوصولَ إلى الائتمان وتنميةَ مدّخراتها، وهو ما يشكّل عنصرًا أساسيًا لدعم التنمية الريفية.
ويتمثّل نهجٌ آخر في أن تستثمر الجهاتُ المانحة في منظماتِ المجتمع المدني باعتبارها جزءًا من منظوماتٍ اقتصادية محلية أوسع. ففي تنزانيا، أصبحت التعاونياتُ والمشروعاتُ الصغيرة "جهاتٍ مؤهلةً للاستثمار" بعد أن ساعدتها الأمم المتحدة على الوصول إلى كلٍّ من الائتمان والأسواق ضمن قطاع الطحالب البحرية.
وثمّة توجّهٌ آخر يتمثّل في أن تموّل الجهاتُ المانحة منظماتِ المجتمع المدني التي تنجح في تأمين التمويل محليًا أو عبر شبكات الجاليات في الخارج. ففي هندوراس، نجحت 146 بلدية في حشد جهودها من خلال برنامج "أبطال من أجل التعليم"، ورفعت مساهماتها في قطاع التعليم من 43% إلى 68%. وقدّم الصندوقُ الأممي المشترك لأهداف التنمية المستدامة تمويلًا تأسيسيًا لم يتجاوز 250,000 دولار، وأسهم البرنامجُ في نهاية المطاف في إعادة 96,000 طفل إلى مقاعد الدراسة.
وفي السياق نفسه، يمكن للمؤسسات التمويلية تقديمُ "تمويلٍ مشترك" لمنظماتِ المجتمع المدني التي تنجح في حشد الدعم محليًا. وتُعدّ مؤسسة وايلد غانزن (Wilde Ganzen) مثالًا على هذا النموذج، إذ تعادل عادةً ما يصل إلى 50% من الأموال التي تتمكّن منظماتُ المجتمع المدني من جمعها من مصادر محلية.
ختامًا، وتجديدًا للتأكيد، ينبغي للجهاتِ المانحة أن تستثمر في منظماتٍ تقوم نماذجُ عملها على أسسٍ تتيح تعبئةَ الموارد المحلية، أو توظيفَ التمويل المختلط، أو تشجيعَ الاستثمار المشترك. وهذا ما حدث في مبادرةِ الهيدروجين الأخضر في أوروغواي، التي استخدمت مليونَ دولار من رأس المال التحفيزي لاستقطاب 20 مليون دولار من مؤسسة التمويل الدولية، بما أسهم في إطلاق قطاعٍ قادرٍ على الاستمرار والنمو لعقود.
كلّ أزمةٍ تحمل في طيّاتها فرصة. وفي ظلّ التداعيات الحالية لتخفيضات المساعدات، قد يشكّل هذا التحوّل بارقةَ أملٍ حقيقية. لقد حان الوقت لكي تتخذ الجهاتُ المانحة خطواتٍ أكثر جرأة.
--
هاري جونستون هو صحفي مستقل، نُشرت تقاريره في صحيفة فاينانشال تايمز، الغارديان، التلغراف. ويغطي موضوعات تتراوح بين تغير المناخ والأمن الغذائي إلى التراث الثقافي.