من الحوار إلى التنمية
شراكة تمتد لعقود بين ألمانيا وشبكة الآغا خان للتنمية تجسد نموذجاً للتعاون القائم على القيم المشتركة.
ألمانيا · 6 يوليو 2026 · 8 دقائق
AKDN / Soimadou Ibrahim
قبل أن يصبح التعاون التنموي السمة الأبرز لهذه العلاقة بوقت طويل، كانت ألمانيا والإمامة الإسماعيلية وشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) تعمل معاً من خلال مبادرات جمعت بين المشاريع الخاصة، والاستثمارات طويلة الأجل، والجهود المشتركة، وهي الروح التي لا تزال تشكل أساس واحدة من أكثر الشراكات الدولية استدامةً لشبكة الآغا خان للتنمية.
أسهم هذا التفاهم في بناء شراكة امتدت عبر عقود ومناطق جغرافية واسعة، وشملت القطاعين العام والخاص، إلى جانب المجالات الاقتصادية والثقافية. ففي أوائل ستينيات القرن العشرين، ساعد استثمار بدعم من شركة الاستشارات الإدارية الألمانية كينباوم (Kienbaum) في تأسيس خدمات الترويج الصناعي (IPS)، ثم تأسست خدمات الترويج السياحي (TPS) بعد نحو عقد من الزمن، بمساهمة أولية في رأس المال من مجموعة الطيران الألمانية لوفتهانزا.
مكّن روح الثقة المتبادلة شركاء القطاع الخاص الألماني من لعب دور تأسيسي في التطوير المبكر لهذه المنظمات، التي تُدار اليوم تحت مظلة صندوق الآغا خان للتنمية الاقتصادية. وفي المقابل، تم تأسيس شركات مرنة ومشاريع طاقة كبرى، مما أدى إلى تعزيز الاقتصادات، وتوسيع الفرص، وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس عبر مناطق متعددة.
يقول عليم كرمالي، رئيس البنية التحتية في خدمات الترويج الصناعي: "منذ تأسيسها، سعت خدمات الترويج الصناعي إلى الجمع بين المشاريع المحلية والشركاء الدوليين الذين يتقاسمون التزاماً حقيقياً بالتنمية طويلة الأجل. وجسّد بنك التنمية الألماني (KfW) وشركة الاستثمار والتنمية الألمانية (DEG) هذه الرؤية على مدى عقود، إذ استثمرا إلى جانب خدمات الترويج الصناعي بصبر وثقة، انطلاقاً من التزام مشترك بالتنمية المسؤولة".
من المبادرات الخاصة إلى الشراكات الهجينة
مع مرور الوقت، تطور هذا التعاون في القطاع الخاص إلى نموذج أوسع وأكثر تكاملاً. وتعززت هذه الشراكة خلال تسعينيات القرن العشرين، من خلال التعاون مع الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)، ووزارة الخارجية الألمانية الاتحادية (GFFO)، وبنك التنمية الألماني (KfW)، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، لدعم مشاريع في مجالات مثل التكيف مع تغير المناخ، وإدارة المياه، والتنمية الاقتصادية في شمال باكستان.
في أفغانستان، تسهم البرامج التعليمية المدعومة من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، والمنفذة من خلال الشراكة العالمية من أجل التعليم (GPE) ومبادرة "التعليم لا يمكن أن ينتظر" (ECW)، في توسيع فرص الوصول إلى التعليم، بينما تنفذ مؤسسة الآغا خان (AKF) منحاً بقيمة 40 مليون دولار.
AKDN / Kiana Hayeri
منذ ذلك الحين، خصصت المؤسسات الألمانية ما يقرب من 993 مليون دولار لتمويل أكثر من 250 مشروعاً تنفذه شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN). وتشمل هذه المشاريع قطاعات الصحة، والتكيف مع تغير المناخ، والزراعة والأمن الغذائي، والشمول الاقتصادي، والتعليم، وإعادة تأهيل التراث الثقافي، إلى جانب دعم المجتمع المدني والحوكمة في البيئات الهشة والاقتصادات المستقرة على حد سواء. وتمتد هذه الشراكة جغرافياً عبر آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، من أفغانستان وباكستان إلى سوريا وشرق إفريقيا، وصولاً إلى نحو 15 دولة.
أسهم توقيع مذكرة تفاهم بين شبكة الآغا خان للتنمية والوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية عام 2004 في ترسيخ شراكة تقوم على أهداف تنموية مشتركة وقيم متقاربة. وفي كلمته خلال مراسم التوقيع، أكد الآغا خان الرابع أهمية التعددية في تحقيق التنمية المستدامة، واصفاً إياها بأنها "وسيلة عملية لإدارة التنوع، وتخفيف حدة النزاعات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإرساء الأساس لتنمية بشرية عادلة"، وهي مبادئ تتماشى بشكل وثيق مع نهج ألمانيا في التعاون الإنمائي.
وحظيت هذه القيم المشتركة لاحقاً بتقدير على أعلى المستويات في ألمانيا. ففي عام 2005، مُنح الآغا خان الرابع جائزة "دي كوادرِيغا" (Die Quadriga) تقديراً لإسهاماته الممتدة في دعم المجتمعات في بعض أكثر مناطق العالم تحدياً، ثم كُرِّم في عام 2006 بجائزة "توتزينغ" (Tutzing) للتسامح، التي سلّمه إياها وزير الخارجية الألماني آنذاك، فرانك-فالتر شتاينماير.
شراكة من أجل التعافي والتماسك
يتجلى هذا النهج المتكامل القائم على القيم بأوضح صوره في عمل مؤسسة الآغا خان مع شركائها الألمان في البيئات الهشة والمجتمعات التي تمر بمراحل انتقالية. ففي عام 2024، وقّعت الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية وبنك التنمية الألماني منحة بقيمة 11.5 مليون دولار مع مؤسسة الآغا خان لدعم التعافي الزراعي في سوريا، لتصبح المؤسسة أول شريك لألمانيا من خارج منظومة الأمم المتحدة في البلاد خلال تلك المرحلة. وتجري حالياً مناقشات بشأن شراكة محتملة مع الحكومة الألمانية لتعزيز التماسك الاجتماعي في المجتمعات الساحلية السورية، بما يعكس قناعة مشتركة بأن التعافي ليس عملية اقتصادية فحسب، بل هو أيضاً عملية مجتمعية.
أيمن قاسم (في الصورة) هو واحد من أربعة مزارعين استفادوا من هذا النظام المعتمد على البيوت الزجاجية والري بالطاقة الشمسية في سوريا، والذي تدعمه مؤسسة الآغا خان، مما يساعد المجتمعات على التكيف مع ندرة المياه وتغير المناخ. وفي عام 2024، وقعت الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية وبنك التنمية الألماني منحة بقيمة 11.5 مليون دولار مع مؤسسة الآغا خان لدعم التعافي الزراعي، مما جعل المؤسسة أول شريك لألمانيا في سوريا من خارج منظمة الأمم المتحدة خلال هذه الفترة.
AKDN / Christopher Wilton-Steer
ينطلق هذا التركيز على التماسك الاجتماعي من الشراكة الطويلة الأمد في أفغانستان، حيث كانت ألمانيا من أبرز شركاء شبكة الآغا خان للتنمية قبل عام 2021. وجمعت برامج مثل "برنامج الاستقرار في شمال أفغانستان"، الذي استفاد منه أكثر من ستة ملايين شخص منذ إطلاقه عام 2010، ومشاريع إعادة تأهيل المواقع الثقافية الرئيسية في كابول، بما في ذلك حديقة بابور، وحديقة تشيهيلستون، وضفاف نهر كابول، بين التنمية الاقتصادية وإحياء التراث الثقافي، انطلاقاً من قناعة بأن تماسك المجتمعات لا يتحقق بالبنية التحتية والخدمات وحدها، بل أيضاً بالمساحات المشتركة، والتاريخ، والهوية المشتركة.
على الرغم من تغير أساليب المشاركة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال ألمانيا تدعم المبادرات التي تقودها شبكة الآغا خان للتنمية عبر قنوات متعددة الأطراف، بما في ذلك البرامج الكبرى في مجالات الصحة، والتعليم، والمياه والري، وسبل العيش، إلى جانب تقديم دعم مباشر لبعض المبادرات في مجالي تنمية المهارات المهنية والثقافة.
ظل التبادل الثقافي خيطاً ناظماً لهذه الشراكة على مدى عقود. ومن أوائل الأمثلة على ذلك التعاون الذي جمع، في مارس/آذار 2002، برنامج الآغا خان للموسيقى، الذي كان آنذاك في بداياته، بمهرجان "شليسفيغ هولشتاين" الموسيقي لاستضافة عازف التشيلو "يو يو ما" وفرقة "طريق الحرير" في ألمانيا. وجسّد هذا التعاون فلسفة مشتركة تضع الثقافة في صميم التعددية والتنمية، وتعكس إيماناً بأن التبادل بين الشعوب والثقافات يعزز التفاهم المتبادل، ويرسخ الثقة التي تقوم عليها المجتمعات المسالمة والمزدهرة.
أُعيد تأهيل حديقة وقصر تشيهيلستون في كابول بين عامي 2015 و2018، في إطار شراكة بين صندوق الآغا خان للثقافة (AKTC)، والحكومة الأفغانية، ووزارة الخارجية الألمانية الاتحادية وبنك التنمية الألماني (KfW)، ليصبح الموقع مساحة عامة نابضة بالحياة للتبادل الثقافي، والترفيه، والحياة المجتمعية، مع الإسهام في تحسين الأحياء المحيطة وسبل العيش.
AKDN / Simon Norfolk
مؤسسة الآغا خان (AKF) في ألمانيا
ومع استمرار تطور هذه الشراكة، يتجه فصلها المقبل إلى أن يُكتب داخل ألمانيا نفسها. وتضع مؤسسة الآغا خان (AKF) حالياً اللمسات الأخيرة على تأسيس حضور رسمي لها في البلاد، في خطوة تمثل تحولاً مهماً من شراكة ركزت إلى حد كبير على التنمية الدولية إلى شراكة تنخرط أيضاً بصورة مباشرة في المجتمع الألماني.
وسيفتح هذا الحضور آفاقاً جديدة للتعاون. فبمجرد استكمال تسجيل مؤسسة الآغا خان في ألمانيا منظمةً غير حكومية ألمانية، ستتمكن المؤسسة من تعميق تعاونها مع المؤسسات الألمانية في سياقات متعددة، من بينها سوريا، وأفغانستان، وموزمبيق، وغيرها. وفي الوقت نفسه، سيؤدي المكتب دوراً محورياً في تنفيذ البرامج داخل ألمانيا، بما يعكس إدراكاً متزايداً بأن القيم التي تقوم عليها هذه الشراكة، وهي التعددية، والتفاهم الثقافي، وتكافؤ الفرص، لا تقل أهمية في السياقات الأوروبية عنها في أي مكان آخر.
سيشكل التعاون مع منظمات المجتمع المدني الألمانية محور هذا العمل. ففي مدن مثل برلين، وفرانكفورت، وميونيخ، وهامبورغ، وإيسن، ستعمل مؤسسة الآغا خان إلى جانب شركائها المحليين لدعم المهاجرين وعائلاتهم في التكيف مع بيئاتهم الجديدة والاستفادة من الفرص المتاحة. وستركز البرامج على تنمية الطفولة المبكرة، واكتساب اللغة، ومسارات التوظيف، من خلال الجمع بين الخبرة الفنية، والموارد المالية، وبناء القدرات عند الحاجة.
وينطلق هذا النهج من إيمان مؤسسة الآغا خان بأن تبادل الأفكار ووجهات النظر يمثل ركناً أساسياً في عملية الاندماج، انطلاقاً من قناعة بأن المجتمعات المتماسكة لا تُبنى بالخدمات المشتركة وحدها، بل أيضاً بالتفاهم المتبادل، والمشاركة، والقدرة على مدّ الجسور بين الثقافات في الحياة اليومية.
شراكة من أجل التعددية والازدهار
في عالم يزداد ترابطاً وتجزؤاً في آنٍ واحد، تقدم الشراكة بين ألمانيا، والإمامة الإسماعيلية، وشبكة الآغا خان للتنمية نموذجاً للتعاون يقوم على التزام مشترك بالتعددية، والتبادل الثقافي، والحوار، وتوسيع الفرص الاقتصادية.
ومن الاستثمارات المبكرة للقطاع الخاص في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، إلى البرامج المجتمعية في مدن ألمانية، تجسد هذه الشراكة نهجاً تنموياً يجمع بين الاستثمار والمبادرات الاجتماعية، وينظر إلى الثقافة بوصفها ركيزة للنمو الاقتصادي، وإلى التعددية بوصفها محركاً للاستقرار والازدهار.
ومع دخولها هذه المرحلة الجديدة، وبعد أكثر من ستة عقود على انطلاقها، تظل هذه الشراكة متمسكة بقناعة مفادها أن التنمية المستدامة تقوم على الثقة المتبادلة، والعمل المشترك، والاستثمار في الإنسان، والمجتمعات، والأفكار.